لماذا يكره بعض الناس الخير للآخرين؟

لماذا يكره بعض #الناس #الخير للآخرين؟

د. #أيوب_أبودية

هذه المقالة قراءة قصيرة في #البنية_النفسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية للاجابة
عن السؤال: لماذا يكره بعض الناس الخير للآخرين؟ سؤال قديم يتردد صداه في الأمثال الشعبية، مثل: “عدو جدّك ما يودّك”، أو في النصوص الدينية والفلسفية. فهو يتناول واحدة من أعمق المشكلات في النفس الإنسانية: الميل إلى الحسد والغيرة والشعور بالتهديد من نجاح الآخر. إذ تتداخل في تكوين هذه الظاهرة عوامل نفسية ودينية واجتماعية واقتصادية وبيئية، تجعلها أكثر تعقيدًا من مجرد “طبع سيئ” أو “عيب أخلاقي”.

  1. البنية النفسية: جذور الحسد والغيرة
    علم النفس يربط الحسد بمشاعر النقص والدونية، حيث يقارن الفرد نفسه بالآخرين باستمرار فيفقد تقديره لذاته. فيرى فرويد أن الحسد جزء من الصراعات النفسية التي تبدأ منذ الطفولة، حيث يتولد شعور بالحرمان عند الطفل إذا شعر أن الاهتمام موجّه لشخص آخر. أما في علم النفس الاجتماعي، فيُفسَّر الحسد بأنه آلية دفاعية يحاول بها الفرد استعادة توازنه النفسي من خلال التقليل من قيمة نجاح الآخرين أو محاولة إعاقتهم.
  2. البنية الدينية والأخلاقية: مفهوم الحسد في تراث
    الأديان التوحيدية، وعلى رأسها الإسلام والمسيحية واليهودية، حرّمت الحسد واعتبرته خطيئة قلبية، لما فيه من اعتراض ضمني على عدالة الله في توزيع الأرزاق. ويُضرب المثال في التراث التوحيدي بقصة قابيل وهابيل، كأول حادثة قتل ناتجة عن الحسد والغيرة.
    هذا الخطاب الديني وضع معايير أخلاقية تسعى لضبط النفس، فالتربية الدينية الصحيحة تُنمّي مشاعر الرضا والرحمة، بينما غيابها أو فهمها بشكل سطحي قد يجعل الحسد شعورًا طبيعيًا لا يخجل منه صاحبه.
  3. الضغوط الاجتماعية والبيئية، من حيث أن بيئة المنافسة والضغط النفسي
    تلعب دورًا محوريًا. ففي مجتمعات تسودها اللامساواة، يصبح نجاح الآخر تهديدًا مباشرًا للمكانة الاجتماعية، مما يثير الغيرة والحسد. كما أن الضغوط الاقتصادية وضعف شبكات الدعم الاجتماعي تجعل الأفراد ينظرون إلى نجاح غيرهم على أنه “حرمان” لهم.
    البيئة الأسرية أيضًا تؤثر، فالأطفال الذين نشأوا في بيئات تنافسية مفرطة أو في غياب تقدير عاطفي، غالبًا ما يطورون سلوكيات عدائية تجاه إنجازات الآخرين.
  4. صراع البقاء ونظرية التطور
    والانتخاب الطبيعي من منظور تطوري، تعد الحسد جزءًا من “صراع البقاء”، حيث يسعى الإنسان إلى تحسين فرصه عبر مراقبة الآخرين ومنافستهم. هذا الشعور كان في المجتمعات القديمة أداة للبقاء، إذ حفّز الفرد للمنافسة على الموارد النادرة. لكن في المجتمع الحديث، تحوّل هذا الشعور الطبيعي إلى ظاهرة اجتماعية معقدة قد تؤدي إلى تفكك العلاقات الإنسانية.
  5. نمط الإنتاج الرأسمالي وتعزيز الحسد،
    فالرأسمالية الحديثة بآلياتها الإعلامية الكبيرة تضخّم مشاعر النقص وتدفع الأفراد للمقارنة المستمرة مع غيرهم. وتقوم صناعة الاستهلاك على خلق احتياجات جديدة باستمرار وإشعار الفرد بأن ما يمتلكه لا يكفي، حتى الهاتف الخلوي يضطر الى تبديله لمجاراة أقرانه. ووسائل التواصل الاجتماعي صارت مسرحًا يوميًا لعرض النجاحات، مما يزيد من الشعور بالفجوة الطبقية ويغذّي الحسد. وفي ظل هذا النظام، يصبح النجاح الفردي أحيانًا مرادفًا لفشل الآخرين، فيُعاد إنتاج الحسد كأداة ضغط اجتماعي واقتصادي.

لذلك، فإن فهم وتجاوز ظاهرة
التخلص من مشاعر الحسد ليس أمرًا فرديًا فحسب، بل هو مشروع اجتماعي وسياسي يتطلب
تربية نفسية وروحية تعزز قيم الرضا والتعاون، ويستدعي بناء مجتمعات عادلة ومنصفة تقل فيها فجوات الثروة والمكانة الاجتماعية، وإصلاح بيئات العمل والتعليم بحيث تُشجع التعاون بدل المنافسة المفرطة.
وهذا يستدعي بدوره وعيا نقديا بالإعلام والرأسمالية المعاصرة فائقة التطور لتفكيك الخطابات التي تدفع الأفراد للشعور بالنقص.

ختاما نقول إن كراهية الخير للآخرين ليست مجرد ضعف أخلاقي، بل هي نتاج بنية اجتماعية واقتصادية وثقافية، تتشابك فيها العوامل النفسية مع الضغوط المادية والمجتمعية الخارجية. لذلك فإن الوعي بهذه الجذور هو خطوة أولى نحو بناء إنسان قادر على الفرح لنجاح غيره، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية الجامعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى