لماذا يخاف ترمب من بابا الفاتيكان؟

#سواليف

في مطلع عام 1077، وقف الإمبراطور الألماني هنري الرابع حافي القدمين مرتديًا ثوبًا صوفيًا خشنًا أمام قلعة كانوسا في شمال إيطاليا، حيث أمضى ثلاثة أيام بلياليها في برد الشتاء القارس، متوسلًا إلى البابا غريغوري السابع أن يرفع عنه قرار الحرمان الكنسي. وكان هذا القرار يعني إقصاء الشخص من جماعة المؤمنين، وحرمانه من أداء الشعائر الدينية أو الحصول على دفن مسيحي، بما يجعله معزولًا دينيًا.
لم يكن هذا المشهد مجرد تعبير عن الخضوع، بل مثّل ذروة صراع سياسي محتدم بين الإمبراطور والكنيسة. فقد تحدّى هنري سلطة البابا في تعيين الأساقفة، فجاء الرد بحرمانه وعزله، ما فتح الباب أمام مرحلة طويلة من التوتر بين السلطتين الزمنية والدينية في أوروبا.
ومنذ ذلك الحين، أصبح تعبير “الذهاب إلى كانوسا” رمزًا في الثقافة الغربية للتذلل أو إظهار الندم أمام سلطة عليا ذات طابع مقدس. وقد استحضره لاحقًا المستشار الألماني أوتو فون بسمارك عام 1872 خلال صراعه مع الكنيسة الكاثوليكية، في سياق توحيد ألمانيا ومخاوفه من تأثير ولاء الكاثوليك للبابا على انتمائهم الوطني.
وإذا كانت حادثة كانوسا تجسد خضوع السلطة السياسية للسلطة الدينية، فإن فترة “البابوية الأفنيونية” تمثل النقيض تمامًا. فقد خضعت الكنيسة آنذاك لهيمنة السلطة السياسية، بدءًا من عام 1309 عندما قام ملك فرنسا فيليب الرابع بأسر البابا بونيفاس الثامن ونقله إلى فرنسا، حيث توفي لاحقًا في ظروف غامضة، إثر نزاع حول النفوذ والضرائب المفروضة على رجال الدين.
لاحقًا، تم انتخاب بابا فرنسي، كليمنت الخامس، ونُقلت مقر البابوية إلى أفينيون، حيث بقيت خاضعة للنفوذ الفرنسي قرابة سبعة عقود، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى انقسام كنسي لم يُحسم إلا في مجمع كونستانس في القرن الخامس عشر.
وبين هاتين الواقعتين التاريخيتين، ظل التوتر بين السلطتين الدينية والسياسية يتجدد بأشكال مختلفة، وصولًا إلى العصر الحديث، حيث يظهر في الجدل القائم بين القيادة السياسية الأمريكية والبابوية. فرغم تراجع النفوذ السياسي المباشر للكنيسة، لا تزال تحتفظ بثقلها الروحي، وتسعى إلى التأثير في القضايا الأخلاقية العالمية، في حين تميل السلطة السياسية إلى رفض أي تدخل ديني لا يتوافق مع توجهاتها.
وهكذا، تستمر رمزية “كانوسا” و”أفينيون” في الحضور، باعتبارهما صورتين متقابلتين لصراع قديم: بين من يرى ضرورة إخضاع السياسة لمعايير أخلاقية، ومن يعتقد أن القوة وحدها كفيلة بتحديد المسار.

المصدر
الجزيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى