لقد اصبحنا كشعوب و اوطان بحاجة الى حركات تنويرية

لقد اصبحنا كشعوب و اوطان بحاجة الى #حركات_تنويرية

المهندس محمود محمد خير عبيد

لقد بلغنا زمنًا لم تعد فيه الأسئلة ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. زمنًا أصبحت فيه شعوبنا، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى حركات تنويرية تُعيد الإنسان إلى جوهره الأول, كائنًا حرًّا، كريمًا، واعيًا، متحررًا من قيود التعصب الديني، والقبلي، والطائفي، والعشائري، و السياسي ومن كل أشكال الوصاية و التبعية التي صادرت إنسانيته باسم الخوف أو القداسة أو العادة.

نحن لم نُخلق تابعين، ولم نُوجد لنعيش في ظلال الآخرين, لقد خُلقنا أحرارًا، ووُلدنا على فطرةٍ نقية تهدينا، وعلى عقلٍ حيّ أودعه الله فينا ليكون نورًا لا عبئًا، وبوصلة لا أداة تعطيل, ففطرتنا لم تكن في يوم فمن منحنا العقل و الفطرة هو من ناقصة، وعقولنا لم تُمنح لنا عبثًا، بل لتقودنا نحو الحق، لا ليقودنا من يدّعي امتلاكه.

مقالات ذات صلة

التنوير، في جوهره الإنساني والإيماني، ليس خصمًا للدين، ولا نقيضًا للعقيدة، ولا عدوًا للإيمان, بل هو الضدّ الطبيعي للجهل، والتبعية، وتعطيل العقل, هو انتقال الإنسان من الطاعة العمياء إلى المسؤولية الواعية، ومن الاتكال إلى النضج، ومن الخوف إلى الشجاعة الأخلاقية.

التنوير هو أن يبلغ الإنسان سنّ الرشد الفكري والروحي، أن يمتلك القدرة على اتخاذ قراره بنفسه، وأن يؤمن بقدراته وفكره دون وصيّ، ويفكّر دون رقيب، ويختار دون إكراه, ان يحيا الأنسان مستنير بالحقيقة, وبإيمانٍ واعٍ، وبعقيدةٍ تُحرّره ولا تُقيده.

فالتنوير فكرٌ إيماني أصيل، يتّسع للاختلاف، ويعترف بالآخر كما هو، دون إلغاء أو إقصاء أو مصادرة, غير أن هذا الفكر يُشوَّه عمدًا، ويُتهم بالإلحاد، لا لأنه خطر على الإيمان، بل لأنه خطر على سلطة الخوف، وعلى من اعتادوا السيطرة على الناس عبر الطاعة لا القناعة، وعبر العصبية لا الوعي.

والمفارقة المؤلمة أن معظم البشر وُلدوا أحرارًا، لكن كثيرين منهم اختاروا العبودية طوعًا, فنراهم مستكينين، خاضعين، مريدين، حتى وهم يعلمون أن قادتهم وساستهم وبعض من يتصدّرون الخطاب الديني غارقون في الفساد، وأنهم أدوات لهدر الإنسان وتدمير الأوطان.

الخوف من المواجهة، والكسل الفكري، وفقدان الشجاعة في البحث عن الحقيقة، يدفع كثيرين إلى الصمت, وأحيانًا يكون الصمت ثمنًا لامتيازات زائلة، تُشترى بها الكرامة، وتُباع معها القيم والمبادئ, وهكذا يتحوّل الإنسان إلى أرضٍ خصبة لكل فاسد ومتسلّط, حين يوجد من يفكّر نيابة عن الآخرين، وينفّذ القبح باسم الطاعة، ويُلمّع الفساد باسم الدين أو الوطنية، يصبح أصحاب السلطة في مأمن من المساءلة، ويظهرون أمام الناس بوجوه طاهرة زائفة،

بينما يتكفّل “الرقيق الحديث” بتنظيف قذارتهم الأخلاقية، في ظل قوانين فاسدة صاغوها لحماية أنفسهم, نحن نتعلم المشي بالسقوط, فالطفل الذي يُمنع من السقوط خوفًا عليه، يُحرم من الوقوف, كذلك الإنسان الذي يُربّى على الخوف، يبقى طفلًا في روحه، مهما تقدّم به العمر.

وهنا يأتي دور التنوير، من خلال ان نحمي أنفسنا لا بالقيود، بل بالوعي, أن نثق بقدرتنا على الوقوف، وبحقنا في الخطأ والتعلّم, أن نستخدم عقولنا وفطرتنا معًا، ونتحرر من المعتقدات الغريزية التي قُدِّمت لنا كحقائق نهائية لا تُناقش.

التنوير هو امتلاك الجرأة الأخلاقية لمواجهة الفساد، أيًّا كان موقعه، حتى لو اختبأ خلف خطوطٍ حمراء مصطنعة, فالخوف من المواجهة هو الجذر العميق لكل عبودية, لقد وهبنا الله العقل، لا ليُلغِي الإيمان، بل ليحميه من الجمود، وينقّيه من التزييف، ويُعيده إلى جوهره الرحماني.

العقل هو أداتنا لفهم الحياة بكل أبعادها, المادية، والاجتماعية، والتاريخية، والثقافية، والدينية, ومن خلال النقد الواعي، والتحليل، والحوار الصادق، والجدل المسؤول، نعيد بناء علاقتنا مع ذواتنا، ومع تراثنا، ومع الله، ومع الإنسان.

لا شيء ينبغي أن يكون خارج دائرة السؤال, لا الدين، ولا السياسة، ولا الثقافة، ولا الموروث الاجتماعي, ليس رفضًا لها، بل حفاظًا عليها من التحجر والموت, فنحن لا نُريد موروثًا مُقدسًا بلا روح، بل إيمانًا حيًا منسجمًا مع إنسانيتنا.

علينا أن نغوص في أعماق أدياننا وثقافاتنا، لا أن نكتفي بوراثتها كما هي, وأن نبتعد عن دجالي الفكر والدين والسياسة، الذين لا يريدون لنا حرية الوعي، بل طاعة القطيع، ولا إيمان العقل، بل خوف الغريزة.

من الوحي إلى العلم، ومن الميتافيزيقيا إلى الذوق، ومن الموسيقى إلى الأخلاق، ومن اللاهوت إلى الاقتصاد، ومن القانون الطبيعي إلى الوضعي, كل ما يمسّ الإنسان قابل للفهم، والنقاش، والتحليل., فالتنوير ليس تمرّدًا على الله، بل تمرّدٌ على الجهل حين يتستّر باسم الله, وهو الطريق الأسمى لاستعادة الإنسان, حرًّا في اختياره، واعيًا في إيمانه، كريمًا في إنسانيته.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى