لغتنا الجميلة

#لغتنا_الجميلة

د. #هاشم_غرايبه

الحديث عن جمال لغتنا كمن يغرف من بحر من اللآلئ، فلا تنفد روائعها، ولا حدود لبدائعها.
كثير من الناس يعتقد أن ألفاظا متقاربة في المعنى مثل: (البيت – المسكن – المنزل – الدار) هي واحدة، وأنها مترادفات تغني أحداها عن الأخرى، لكن الحقيقة أنه لا توجد في العربية ترادف، وكل لفظة تؤدي معنىً مستقلاً، أو درجة مختلفة من ذلك المعنى.
(البيْتُ) مشتقة من (بات) وتعني هجع ونام ليلا، والمعلوم أن الكائن الحي حذر يخشى على نفسه من الكائنات الأخرى، والنوم غفلة، لذا لا يبيت ليلاً إلا في مكان آمن، وهذا الأمن يتحقق إما من منعة المكان أو من رعاية أو حراسة الغير لهذا المكان وهو نائم.
(المَسْكن) من (سَكَنَ)، والسكون الى المكان يعني الإطمئنان إليه والإرتياح للمكوث فيه، لأنه يحقق الإحتياجات ويوفر المرافق، ولا يشترط فيه أن يكون من يبيت في المكان مرتبطاً بالآخرين، فكل بيت مسكن ولكن ليس كل مسكن بيت.
(المَنزِلُ) من (نزل)، أي حط في المكان لأنه وجده مناسبا لكي يقيم فيه، فرتب متاعه فيه، وهيّأه لاستعمالاته، والمنزل ما كان فيه أكثر من بيت سواء كانت البيوت مرتبطة ببعض ببناء واحد كالعمارة السكنية والدار أو كانت البيوت متفرقة كمجمع صغير
أما (الدار) فهي ذلك الجزء المادي المكون من أرض عليها بناء وقد تحتوي على بيت أو أكثر، وقد لا يكون فيها بيت بل جماعة عاملين في حقل ما، مثل دار القضاء.
هكذا فالأقرب الى النفس والأعمق ارتباطا بالذات، هو البيت، لأنه يمثل المعنى الوجداني للمكان، كون من يقيمون فيه يربطهم الكيان العائلي، لذا فالبيت يعني رابط العائلة العاطفي، فلا يعتبر بيتا إذا كان مكان إقامة لفرد واحد، فهو عندها مسكن.
وقد تجتمع المسميات الأربع في مكان واحد عندما تكون دار من عدة غرف تقطنها عائلة فهي بيت ومسكن ومنزل في آن واحد.
هنالك العديد من الألفاظ الدالة على مكان العيش، لكن كلا منها لها معنى خاص بها، مثل: بنيان , بِناء , بِنَايَة , صَرْح , عِمَارَة , مَبْنًى , مَثْوًى , مَلجأ , مأوى، مَغْنًى , مَقرّ , مَقَام , , مَقْطَن , مُسْتَقَرّ ..وغيرها.
وتطبيقا على ما سبق تبيانه، يمكننا أن نفهم لماذا قال عن العنكبوت: “وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون” [العنكبوت:41].
إن بيت العنكبوت ليست تلك الشبكة من الخيوط الحريرية التي هي مصيدة للحشرات فتمسك بها ولا تفلتها الى تأتي العنكبوت وتفترسها، لذلك فالشبكة ليست ضعيفة بل هي من أقوى انواع الألياف الطبيعية.
ولما أن عرفنا أن البيت يعود الى وجود العائلة، وليس هو المسكن بذاته، فالمقصود أن الترابط العائلي بين أفراد عائلة العنكبوت هو في أضعف صورة، ولما كان العلم في زمن التنزيل لم يكن قد فهم أسرار حياة العنكبوت بعد، لذلك قال تعالى: (لو كانوا يعلمون).
فلم يكتشف الباحثون إلا مؤخرا أن بعض أصناف أنثى العنكبوت تقتل الذكر بعد التزاوج، وأخرى تبقيه غذاء للصغار بعد أن يفقسوا، وبعضها يأكل الصغار أمهم.
فهل هنالك بيت أوهن من عائلة يقتل بعضها بعضا!؟.
بالمقابل جاء في قوله تعالى:” قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ” [النمل:18]، ولم تقل (بيوتكم)، فالنمل لا يعيش حياة عائلية، بل كالعسكرية أفرادا منضبطين بعمل معين.
هكذا نرى أن القرآن الكريم هو الذي رفع شأن اللغة العربية وحفظها، وعجبي من أولئك العروبيين ألاّ يسجدوا لله صبح مساء شكرا على أن كرمهم ولغتهم.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى