كل السيناريوهات في سوريا كارثية / فيصل القاسم

ما هو الحل الأمثل في سوريا ، فيما لو توقفت الحرب؟ هل يختار السوريون الحل اللبناني، أم العراقي، أم الجزائري، أم الصومالي، أم الأفغاني، أم التقسيم؟

لو اختار السوريون السيناريو اللبناني، فلن يصمد طويلاً، لأنه سيكون مليئاً بالألغام القابلة للانفجار في أي لحظة، لأنه يكرس الانقسامات الطائفية والمذهبية، لا بل سيؤدي عاجلاً أو آجلاً، إلى ظهور قوة متسلطة كحزب الله في لبنان. وهذه القوة موجودة جذورها أصلاً في سوريا، وتتمثل في الدولة الأمنية والعسكرية العميقة التي أسسها النظام الفاشي الأسدي. وحتى لو اتفقت أطياف الشعب السوري على طائف سوري، فإن الاتفاق سيؤدي لاحقاً إلى عودة الديكتاتورية العسكرية، بحيث ستكون الغلبة لفئة معينة قوية على حساب بقية الفئات، كما هو حال لبنان، حيث بات حزب الله بعد اتفاق الطائف الحاكم الفعلي للبنان بالرغم من تقاسم السلطات التنفيذية والتشريعية والأمنية بين المسيحين والمسلمين السنة والشيعة.
ولو جاء الحل على طريقة المحاصصة الطائفية العراقية، أيضاً ستكون النتيجة جهنمية، لأنها مصممة كي تنفجر، وتقوم على تغليب طائفة على أخرى. وقد لاحظنا أن مهندسي الحل العراقي، أي إيران وأمريكا، أعطا السلطة الحقيقية للشيعة بموجب انتخابات لا تمت للديمقراطية بصلة، بحيث ينتقمون من السنة بحجة المظلومية أيام صدام. وهذا ما حصل، فقد راح الشيعة يقتلون السنة على الهوية المذهبية، ويقومون بعمليات تطهير مذهبي وطائفي فاشية في مختلف المناطق، مما أدى لاحقاً إلى انتفاضة سنية، وظهور جماعات متطرفة كتنظيم الدولة رداً على الفاشية الشيعية. وبالرغم من مرور أكثر من اثني عشر عاماً على الغزو الأمريكي، إلا أن العراق مازال ينتقل من سيء إلى أسوأ، لا بل إنه مرشح للتشظي والانهيار. وإذا كان للسيناريو العراقي كي ينجح في سوريا، فلا بد من إعادة تسليط العلويين على رقاب الأكثرية المسلمة، مما سيؤدي إلى تفجير سوريا لعقود وعقود. وهو أمر مستحيل حتى لو حاول الروس تطبيقه أو فرضه بالقوة.

وإذا أرادت القوى الكبرى عدم تكرار السيناريو العراقي في سوريا، فربما تدفع باتجاه السيناريو الجزائري، بحيث تعيد تأهيل النظام الفاشي العسكري المخابراتي، كما حدث في الجزائر، حيث عاد الجنرالات إلى السلطة بعد قتل مئات الألوف من الجزائريين، وتدمير البلد، بحجة أنهم الأكثر قدرة على ضبط الجزائر. وإذا نجح الروس في فرض هيمنتهم على سوريا عسكرياً، فربما يلجؤون إلى تطبيق الطريقة الجزائرية، بحيث يتخلصون من رأس النظام وبعض رموزه، ويعيدون ترميم الجيش السوري وأجهزة الأمن وتعزيزيها كي تعود للإمساك بمقاليد الحكم في سوريا بيد من حديد، بحجة أن البلد والشعب لم يعودا قادرين على تحمل مأساة الصراع. لكن يجب أن نعلم أن سوريا تقع في منطقة مختلفة، ناهيك عن أن النموذج السوري لن يكون مطابقاً تماماً للنموذج الجزائري الذي تبلور في نهاية القرن الماضي.

ونظراً إلى وجود الجهاديين على الأرض السورية، فلا نستبعد السيناريو الأفغاني القائم على حركة طالبان الجهادية، وحكومة مدعومة من الغرب تتقاسمان السيطرة على البلاد وسط استمرار الصراع والاقتتال في أفغانستان. وكما نرى الآن، فإن الوضع السوري لا يختلف كثيراً عن الوضع الأفغاني، حيث الصراع على أشده بين حكومة ضعيفة مدعومة روسياً وإيرانياً وجماعات جهادية وإسلامية تواجهها من حدب وصوب.

مقالات ذات صلة

وإذا فشلت السيناريوهات الأربعة السابقة، فتتحول سوريا إلى صومال أخرى لا تختلف عن أفغانستان كثيراً، بحيث تنقسم إلى إقطاعيات متناحرة يحكمها أمراء الحرب، ويتقاسمون ثرواتها ومناطقها التي يسيطرون عليها.
باختصار، فإن كل السيناريوهات المحتملة في سوريا كارثية بامتياز. والأسوأ فيما لو تقسمت سوريا إلى دويلات متناحرة بمباركة دولية. فهل يتغلب السوريون على تلك الاحتمالات جميعاً، ويبنون نظاماً ديمقراطياً علمانياً يتجاوز كل التوقعات السوداوية، أم إن هذا الاحتمال مثل حلم إبليس في الجنة، بحكم أن سوريا جارة لإسرائيل، ولا يمكن أن تسمح لها إلا أن تكون في قبضة جنرالات فاشيين كالذين يحكمونها منذ الحركة التخريبية التي قادها حافظ الأسد، أو لبناناً أو عراقاً أو أفغانستاناً أو صومالاً آخر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً؟

(بالمناسبة: الأخوة الصوماليون ينزعجون جداً من تشبيه سوريا بالصومال، ويعتبرون الصومال أفضل حالاً بكثير من سوريا، وبالتالي يقترحون مصطلح “السوّرنة” لوصف الحال السوري على اعتبار أنه الأسوأ حتى الآن.)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى