
في رثاء الفارس الذي فقدناه
بعد حياة حافلة بالعطاء للوطن وللقوات المسلحة الأردنية، امتدت لما يزيد على أربعين عاما، ترجل المشير فتحي أبو طالب من فوق صهوة الحياة، يوم الخميس الموافق 2016 / 11 / 3. لقد شغل الفقيد خلال خدمته العسكرية العديد من المناصب الهامة في القوات المسلحة كان من أهمها: قائدا للفرقة المدرعة الخامسة، مساعدا للاستخبارات للقائد العام للقوات المسلحة، رئيسا لهيئة الأركان المشتركة، وختمها بعد التقاعد كعضو في مجلس الأعيان.
لقد عرفت المشير فتحي عن قرب، ابتداء من عام 1976 وحتى إحالته على التقاعد عام 1993، من خلال الوظائف التي تقلدتها في تلك الفترة، سواء كانت في المناصب القيادية المختلفة أو في دوائر القيادة العامة، والتي كان آخرها منصب مساعدا رئيس الأركان للقوى البشرية. ورغم أن علاقتي الرسمية معه كان يشوبها شيء من التوتر والاختلاف في بعض الرؤى لبعض القضايا العسكرية، إلا أن ذلك لم ينتقص من احترامي وتقديري له كضابط أعلى، يقف في قمة الهرم القيادي للقوات المسلحة الأردنية.
كان فتحي يتمتع بشخصية قيادية عسكرية فذة، تفرض احترامها على كل من تعامل معها، سواء كان عسكريا أم مدنيا. وكان أشد ما يكون حريصا على مصالح القوات المسلحة، ومتابعة ما يجري في فروعها المختلفة بدقة متناهية، انطلاقا من خبرته في مجال الاستخبارات العسكرية وتجاربه القيادية الأخرى.
ومن صفاته الشخصية أنه كان هادئا وصبورا يعالج الأمور بحكمة وبعد نظر، ويتخذ القرارات الصائبة بعد تفكير عميق، منصفا للآخرين ويعطي كل ذي حق حقه، يجمع بين صفتي الحزم واللين حسب الوضع الذي يفرضه الموقف. وبفعل شخصيته المؤثرة، فقد حافظ على هيبة القوات المسلحة ومكنتها المرموقة، ولم يسمح لأي كان بالتدخل في أمورها سوى جلالة قائدها الأعلى.
كان للمشير فتحي مواقف وطنية كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، ولكنني سأذكر موقفا وطنيا واحدا، كنت شاهدا عليه، وهو كالتالي : في عام 1991 وعندما حُشدت جيوش التحالف الثلاثيني، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في عاصفة الصحراء، لإخراج القوات العراقية بالقوة من الكويت، استشار جلالة الملك حسين طيب الله ثراه، رئيس هيئة الأركان المشتركة المشير فتحي أبو طالب في الانضمام إلى قوات التحالف، استجابة لضغوط الولايات المتحدة وبعض الدول العربية. فكان رأي أبو طالب أن لا نشارك بهذه الحرب قائلا :
جلالة الملك . . منذ سنوات عديدة ونحن نقف إلى جانب العراق، باعتبارها البوابة الشرقية في الدفاع عن الأمة العربية في وجه المد الإيراني، وكنت أحد الذين أطلقوا قذائف المدفعية العراقية ضد من هاجموا القوات العراقية، ومن غير المعقول أن نشارك اليوم في الهجوم على العراق أو على أي دولة عربية، أو حتى أن نسمح لأي جيش ينوي استخدام الأراضي الأردنية كممر للحرب على العراق. لأننا إن أقدمنا على ذلك، سنكون بموقف حرج ونفقد ثقة مواطنينا في الداخل. فانسحاب القوات العراقية من الكويت، يمكن أن يعالج بالوسائل السياسية، ومن خلال جهودكم في هذا المجال مع إخوانكم القادة العرب.
أخذ جلالة الملك حسين بتوصية رئيس هيئة الأركان المشتركة الذي أيده به بعض رجال السياسة، ورفض المشاركة بالتحالف الثلاثيني على العراق، الذي كان يهدف في ظاهره المصلحة العربية، وفي باطنه عودة الاستعمار المقنّع، وتفتيت الدول العربية ونهب ثرواتها. أدى هذا الموقف الأردني القومي إلى غضب الرئيس بوش الأب وقادة بعض الدول العربية.
صحيح أننا واجهنا إثر ذلك ضغوطات كبيرة من الأمريكان وغيرهم، وعانينا من الحصار وقطع المساعدات المالية عن بلدنا من الطرفين، ولكننا سجلنا موقفا قوميا مشرّفا ستذكره الأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز. وهكذا حظي أبو طالب باحترام وتقدير جلالة الملك حسين في ذلك الحين.
وختاما أقول : أن المشير فتحي أبو طالب عاش عسكريا محترفا ونظيفا، لم تلوث المادة نفسيته أو يديه، ولم ينظر إلى الصغائر وامتلاك القصور، وحافظ على هيبة ومكانة القوات المسلحة داخليا وخارجيا، ورحل عن الدنيا حاملا حب الأردن وشعبه في قلبه الكبير. ولا يسعنا في يوم وداعه إلا أن ندعو له بالرحمة، وأن يجزيه الله عنا وعن الوطن خير الجزاء ويسكنه فسيح جناته.

