
عندما يصبح #المطر عبئًا لا نعمة, #ملكة_القلوب, ضحّت من أجل مواطن، والمواطن اليوم يغرق في مستنقع الوزراء
بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد
منذ ما يقارب خمسين عامًا، لم تكن “ملكة القلوب” لقبًا عابرًا أو توصيفًا عاطفيًا، بل كانت موقفًا وسلوكًا ونهجًا في تحمّل المسؤولية. يومها، وصلت استغاثة مواطن بسيط في جنوب المملكة عبر الأثير، فلم تُقاس الأمور ببروتوكول، ولم تُراجع دفاتر المخاطر، ولم تمنعها الظروف الجوية القاسية من تلبية النداء. خرجت، وطلبت من الوزراء المختصين مرافقتها، لأن الإنسان كان أولوية، ولأن الوطن في تلك اللحظة اختُصر في مواطن واحد بحاجة إلى العون. استشهدت وهي تؤدي واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا، لتؤكد أن القيادة الحقيقية لا تُمارَس من خلف المكاتب، بل تُثبت في الميدان عندما يحتاج الناس.
وهنا، لا غرابة أن يتساءل البعض, لماذا أحبّ الناس ملكة القلوب؟ ولماذا بقيت ذكراها الطيبة خالدة حتى اليوم؟ والجواب واضح وصادق؛ لأن التاريخ لا يخلّد المناصب، بل يخلّد المواقف. يخلّد كل إنسان وطني قدّم لوطنه دون حساب، وكل من ارتقى بإنسانيته وسمَا بعطائه، وجعل الوطن فوق كل اعتبار، وحياة الإنسان أغلى من أي منصب أو مكسب أو بروتوكول. ملكة القلوب لم تُحب لأنها كانت في موقع المسؤولية، بل لأنها أدركت معناها الحقيقي، وآمنت أن القيادة التزام أخلاقي قبل أن تكون سلطة، وأن واجب الإنسان تجاه أخيه الإنسان لا يُؤجَّل ولا يُساوَم عليه. هكذا تُصنع الذكريات الطيبة، وهكذا يُكتب الخلود في وجدان الشعوب.
اليوم، ونحن نعيش واقعًا مختلفًا، أصبحنا نترحّم على زمنٍ كان فيه المسؤول إنسانًا قبل أن يكون صاحب منصب، يتلمّس احتياجات الوطن، أمينًا على مصالحه، يشعر بأخيه الإنسان المواطن على هذه الأرض، ويتألم لألمه، ويتحرّك بدافع الواجب لا بدافع الصورة أو المكسب. نترحّم على زمنٍ كانت فيه المسؤولية عبئًا أخلاقيًا، لا امتيازًا، وكانت فيه خدمة الناس شرفًا لا شعارًا.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، نقف أمام مشهد مؤلم ومخزٍ في آنٍ واحد. فالمطر، الذي هو نعمة من الله على هذه الأرض العطشى، تحوّل إلى مصدر خوف وخسارة، لا بسبب شدته، بل بسبب الإهمال وسوء التخطيط وغياب المحاسبة. محافظات تغرق، أحياء تُحاصرها السيول، بيوت تتضرر، محال تُدمّر، مركبات تجرفها المياه، ومواطن أعزل يُترك وحيدًا يدفع ثمن التقصير من ماله وأمنه وكرامته، دون تعويض، ودون مساءلة، وكأن ما حدث شأنٌ شخصي لا علاقة للدولة به.
ما يحدث كل شتاء ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات من الفشل في صيانة البنية التحتية، وإهمال شبكات تصريف المياه، وترك مجاري الوديان دون معالجة حقيقية. مجارير مغلقة، شوارع غير مؤهلة، مشاريع مؤجلة، وتقارير تُكتب بعد الكارثة لا قبلها. أما المسؤولون، فكأنهم في عالمٍ آخر؛ يجلسون على مقاعدهم الوثيرة، في مكاتبهم المدفأة، بعيدين عن الطين والماء وصرخات الناس، لا يعنيهم سوى البقاء في مواقعهم، وما تحمله مناصبهم من امتيازات ومظاهر.
السلطة التنفيذية غائبة إلا من بيانات، والسلطة التشريعية صامتة إلا من خطب موسمية. لا رقابة حقيقية، ولا محاسبة فعلية، ولا تحمّل للمسؤولية. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت هذه السلطات لا ترى معاناة المواطن ولا تتحرك لحمايته، فمن سيحاسب المقصرين؟ ومن سيعوض المتضررين؟ ومن يقف إلى جانب الناس عندما تتحول بيوتهم وأرزاقهم إلى ضحية مباشرة للإهمال؟
المؤلم أكثر أن هذا المشهد يتكرر عامًا بعد عام، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الخسائر لا تعني أحدًا. نسمع الوعود عند كل تشكيل حكومي، ونظن أن المسؤول الجديد يحمل عصا سحرية للإصلاح، لنكتشف لاحقًا أنها عصا لتبرير التقصير، وأن الخسائر تتضاعف، بينما المواطن يدفع الثمن وحده.
عندها، لا يسعنا إلا أن نقف متسائلين بمرارة, أهذا هو الوطن الذي كانت فيه استغاثة مواطن كافية لتحريك أعلى المستويات؟ أم أن الوطن بات سلعة في سوق المسؤولين، يُزاودون عليه بالكلام، بينما يُهمَل في الفعل؟
الوطن لا يحتاج إلى شعارات فارغة، ولا إلى تنظير لا يُغني ولا يُنقذ. الوطن بحاجة إلى مسؤولين شرفاء، يؤمنون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الكرسي زائل، وأن التاريخ لا يرحم. فالتاريخ سيذكر كل من خدم هذا الوطن بإخلاص، كما سيسجل على المقصرين ما تركوه من خراب ومعاناة.
يا وطن، أصبحنا نخاف الغيث ونحن بأمسّ الحاجة إليه. نسأل الله المطر، ثم نسأله أن يحمينا من تبعات الإهمال البشري. فالمطر نعمة، لكن الإهمال جريمة، وصمت المسؤول شراكة فيها، والمواطن لا يجب أن يُترك وحده في مواجهة السيول ومجاري الوديان.




