
#سواليف
(على هامش الحياة) سردية البسطاء ونبض الحارات
إصدار جديد للأديب الأردني مصعب البدور، يستدعي هوية جيل كاملة من زوايا الحنين وممرات الذاكرة.
في جولة بصرية ووجدانية، يشرع الأديب الأردني مصعب البدور نوافذ ذاكرتنا الأردنية الجماعية في مجموعته القصصية الجديدة الصادرة عن دار الآن ناشرون وموزعون في عمان -الأردن لعام 2026 بعنوان (على هامش الحياة)، لينحاز منذ البدايات إلى المنسيين من أبناء الوطن؛ أولئك الذين يعيشون بعيدا عن الأضواء والصخب، وبعيدا عن مرايا السياسة وعدسات الاقتصاد.
بنى البدور مسرحا رحبا اتحدت فيه جغرافيا الأردن؛ ففي هامشه أمست قريته صمد ذاتا للثنية، وغدت صورة من صور دبة حانوت وجها آخر لمغير السرحان، وعزفت المجموعة نغما جماعيا رقيقا كأنها وجدان مشترك بين أبناء الأردن في كل مكان، وبدت سردية جيل متكامل، غدا التآلف في فلسفته مشروعا أهليا، ورغيف الخبز المشترك جوهر الوجود.
تتنقل نصوص المجموعة بذكاء بين حاشية وأخرى؛ فمن (كيلو سكر) التي تجسد مذهب الخوف الطفولي، إلى (العشاء) التي يتجلى فيها التكاتف الأردني بصرف النظر عن الدين والأصل، لتخلق مساحة من مصير واحد مشترك، مرورا بحاشية (المسرحية) التي تخترق الوعي السريالي لواقع المواصلات العامة، وصولا إلى (الممر البارد) حيث يبلغ الصراع السيكولوجي ذروته بتمزق الذات والتحامها خلف طيف طفلة منسوجة من السكون.
ما يميز هذه المجموعة هو لغتها التصويرية العالية؛ فهي أبجدية سائغة تحفل بالنستولوجيا المجتمعية، لغة تتخطى حدود الوصف التحليلي والمباشر إلى التجسيد الحي، صناعة لغوية تجعلك عنصرا من عناصر القص، وجزءا من المكون السردي لها، ثم تتعداه إلى تذوق الروائح وإلى محاورة البرد، أو قل لغة تقطر حنينا وتعتني بالهوية التي يخشى عليها الكاتب من الذوبان خلف سيولة الشاشات.
إن هذه المجموعة تمثل دعوة لاستعادة وعي فقد في زحام الحداثة، وعي يتعامل مع مفهوم الحياة السائغة عند البسطاء الذين عاشوا بقلوب زرعت شوكا، ومع ذلك بقيت خضراء مورقة، تسقي نفسها من نبع الذكريات.
وهكذا تقف (على هامش الحياة) وثيقة وجدانية راسخة تنتصر للمكان الأردني وتفيض بأصوات أهله، وتضع القارئ وجها لوجه أمام مرآة روحه الأولى وبساطة أيامه الخوالي؛ مقدّمة برهانا على أن ذلك الهامش الذي نظنه مهملا يمثل في حقيقته المتن الأصيل للحياة، والمستودع الأكثر نبضا وصدقا ودفئا في حكايتنا الإنسانية المشتركة، لتبقى هذه النصوص شهادة وفاء حية لذاكرة المكان والإنسان.

