
#سواليف
الانتخابات الإسرائيلية … من زاويا أخرى
كتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.
أُشبعت انتخابات الكنيست الـ 26، مقدمات وسياقات، نتائج وسيناريوهات، بحثاً وتعليقاً من قبل مئات المحللين والمعلقين في الإقليم والعالم…لا جديد يمكن إضافته، سوى التشديد على بعض الظاهرات التي سبقتها ورافقتها وأعقبتها، وتظهير بعض حقائق السياسة والمجتمع في إسرائيل، كما تجلّت خلف الأرقام التي فاضت بها صناديق الاقتراع، ما يملي مقاربة الحدث من زاويا أخرى، نراها الأكثر أهمية.
أولاً؛ في “صحوة” فلسطينيي – 48
هي المرة الثانية خلال أعوام، التي يسطر فيها فلسطينيو الأرض المحتلة عام 1948، واحدة من أهم مفاجآتهم وصحواتهم، ربما منذ يوم الأرض في العام 1976 قبل خمسين عاماً…الصحوة الأولى وقعت في العام 2021، زمن “سيف القدس”، عندما خرجت الجماهير الفلسطينية في البلدات والقرى والمدن، في هبّة شعبية نادرة، إسناداً لغزة، أعادت من خلالها، مدنٍ وبلداتٍ، خرجت من التداول الإعلامي العام، ووضعتها في قلب دائرة الأخبار…هبّة شعبية أعادت تأكيد المؤكد، حول وحدة الشعب والقضية والأرض، وكرست فلسطيني الداخل، لاعباً رئيساً في المشهد الوطني الفلسطيني، بالضد من محاولات التذويب والتهويد و”الأسرلة” والطمس والتهميش والتمييز والإلغاء.
هذه المرة، ستتخذ صحوة الداخل، شكلاً جديداً، إذ سيكثف جمهورنا العربي – الفلسطيني، استخدام أدواته الكفاحية السلمية، بالاحتشاد أمام مراكز الاقتراع، وتسجيل رقمين قياسيين، أو ثلاثة أرقام بالأحرى، أولها؛ عند ملامسة معدل الاقتراع حاجز الثمانين بالمئة، وبزيادة عن نظيره في المجتمع اليهودي، بخلاف ما جرت عليه العادة…وثانيها؛ مع وصول 19 نائباً عربياً إلى الكنيست الإسرائيلي، ليصبحوا ثالث أكبر كتلة “مع أنهم كتلتان” في الكنيست بعد قطبي الائتلاف والمعارضة، وثالثهما؛ وهذا بحاجة لتدقيق ومعطيات رقمية، اتجاه الغالبية الساحقة من أصوات العرب للقوائم العربية، وتلاشي حصة الأحزاب الصهيونية من الصوت العربي، باستثناء بعض القرى والبلدات، لأسباب تتعلق بمكوناتها السكانية المعروفة…يبدو أن الزمن، الذي كان فيه للأحزاب الصهيونية “نصيبٌ وازن” من الأصوات العربية، قد ولّى مرة واحدة، وإلى الأبد.
هذا ليس تفصيلاً على الإطلاق، فالحضور العربي – الفلسطيني، لم يعد ظاهرة قابلة للطمس والتهميش والإلغاء، فهم أصحاب الفضل في إقصاء “ترويكا الإبادة”، أو جعل مهمة نتنياهو في تشكيل حكومة قادمة، صعبة للغاية، وقد تصبح مستحيلة، إن تخلى إيزنكوت وقادة المعارضة عن جبنهم وترددهم، والأهم، عن “فائض عنصريتهم، وقرروا التقاط اليد العربية الممدودة إليهم.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإنها المرة الثانية التي ينقلب فيها سحر اليمين العنصري نتنياهو – ليبرمان في حينه، على الساحر، في انتخابات 2015 و2019، توحدت القوائم العربية وحصدت 13 مقعداً، وفي انتخابات 2020 ارتفعت الحصيلة إلى 15 مقعداً، في أعلى رقم قياسي سُجّل حتى تاريخه، في حين يقفز الرقم إلى 19 مقعداً وفقاً للنتائج شبه النهائية، وغير الرسمية… اليوم، وتحت الظلال الداكنة لسياسات “ترويكا الإبادة والعنصرية”، وفي القلب من أهدافها، إخراج العرب الفلسطينيين عن مسرح السياسة والكنيست، والجغرافيا إن أمكن، جاءت النتيجة وبالاً على أصحابها، خسر هذا المعسكر الإلغائي، 15 مقعداً على الأقل، وبات الحضور العربي، “بيضة قبّان” في حسابات التأليف والتكيف، التي ستتظهّر بعد الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية للانتخابات، والانتهاء من “الاستشارات النيابية المُلزِمة”.
ومن دون التقليل من دور القيادات والأحزاب العربية في حفز الشارع العربي للتصويت في يوم الاقتراع “المفصلي”، فقد خرجت الجماهير الفلسطينية عن بكرة أبيها، لممارسة حقها في مقاومة العنصرية والتمييز والجريمة وتبديد الحقوق الوطنية وحقوق المواطنة، مدفوعة باستشعار عميق، لخطورة التحدي والتهديد، الكامنين في سياسة اليمين الأكثر تطرفاً، وفي تجسيد جماعي للانخراط في مقاومة مدنية – سلمية، لصعود الفاشية والإجرام في المجتمع الإسرائيلي، ونخبه الحاكمة.
إنها صحوة مباركة، يمكن وضعها في مصاف هبّة 2021، وانتفاضة “يوم الأرض المجيد”، والمؤكد أنها ستؤسس لولوج عتبات مرحلة جديدة، في كفاح هذا المكون الرئيس من مكونات الشعب الفلسطيني، ضد الفاشية والاستعمار الاستيطاني – الإحلالي، ضد الإبادة والتطهير والتهجير.
ثانياً؛ في هوية المجتمع اليهودي – الإسرائيلي
أزيد من نصف المجتمع اليهودي في إسرائيل بقليل، منح ائتلاف أقصى اليمين، الفاشي – العنصري، ائتلاف الإبادة والتطهير العرقي، ثقته من جديد، برغم سنوات الحروب متعددة الجبهات الثلاث، التي خاضها هذا المجتمع وجبهته الداخلية، تحت قيادة هذه الحكومة، لكن نصفه الثاني، أقل بقليل، لم يسقط أصواته في صناديق قوى وأحزاب مدنية وديمقراطية، بل منحها لمعارضة يمنية كذلك، بلبوس قومي متطرف، متدثر بنزعة دينية – توراتية، عابرة لأحزاب علمانية ويسارية وليبرالية…إذ حتى اليسار الذي ما زال منكمشاً في هوامش “الخمسة بالمئة”، تبدّل كثيراً خلال عقدي الانجراف المنهجي المنظم، الذي أصاب المجتمع الإسرائيلي، وقذف به إلى مستنقع التطرف الديني والقومي الآسن، فلم يبق من اليسار سوى اسمه، أما خطابه وممارساته، فلم تعد تتخطى حدود الاقتباس من قاموس اليمين القومي في الحركة الصهيونية.
هي انتخابات، دارت في مناخات انقسام إسرائيلي عميق، حول شخص نتنياهو، ومشاريع اليمين الديني – القومي المتشدد، لإعادة بناء الدولة، وتشكيل نظامها السياسي، على صورته وشاكلته، لم تحظ خلالها، المجازر و”عقيدة الضاحية”، وحروب الإبادة والقتل الجماعي للمدنيين في غزة بأي اهتمام من جمهور الناخبين … لم تحظ خلالها عربدة المستوطنين وتغوّل قطعانهم وميليشياتهم السائبة، بأي “وقفة مراجعة” من جمهور لطالما ادّعى بأنه الأكثر تمثّلاً لقيم الديمقراطية وحقوق الانسان…لم تندرج حروب نتنياهو المتناسلة على جبهات سوريا ولبنان واليمن وإيران، بالمكانة التي تستحقها على لائحة “الدوافع والمحركات” الانتخابية، للناخب اليهودي.
إسرائيل، ومنذ انتخابات عام 2006 على أقل تقدير، لم تُعد تفاضل بين يمين ويسار، بل تنتخب من داخل “علبة اليمين المغلقة”، دينياً كان أم قومياً…والانتخابات الأخيرة، تنهض شاهداً على تفشي هذا اليمين المتطرف على مساحة الخريطة السياسية والحزبية الإسرائيلية، مع استدراك واجب للتذكير بأن هذا اليسار الصهيوني، هو من فجّر جميع حروب إسرائيل المتعاقبة مع العرب والفلسطينيين، وأن زعيمهم الأبرز، اسحق رابين، هو صاحب الدعوة الأشهر والأكثر انحطاطاً، بتكسير عظام أطفال الحجارة في الانتفاضة الأولى، في حين لم يبدأ اليمين الإسرائيلي حرباً، سوى في العام 1982، زمن قيادة بيغن – شارون للحكومة.
بهذا المعنى، لا تحمل الانتخابات الإسرائيلية أية “دلالة ذات مغزى” عند تحليل بنية واتجاهات المجتمع الإسرائيلي … وهي إذ جاءت بمثابة “دعسة ناقصة”، لا تكفي لضمان إزاحة نتنياهو عن مسرح السياسة الإسرائيلية، فقد أتت مصداقاً لنبوءة محمود درويش: “من الجحيم إلى الخليج…ومن اليمين إلى اليمين إلى الوسط… شاهدت مشنقة بحبل واحدٍ …. من أجل مليوني عنق”…هي مشانقهم وأعناقنا.
ثالثاً؛ في الاحتمالات والسيناريوهات
أما وقد وضعت الانتخابات أوزراها، وخرجت النتائج شبه النهائية، مع هامش محدود قي نسبة الخطأ والصواب في تقدير أحجام الكتل وأوزانها، فإن الاستعصاء السياسي – الحكومي المترتب عليها، ينفتح على خيارات ثلاثة، لا أكثر:
أولها؛ أن يتجرّع جادي إيزنكوت، و”ربعه” في المعارضة، حليب السباع، وأن يجرء على اجتياز واحدٍ من خطوطه الحمراء، فيقدم على تشكيل حكومة أقلية صهيونية، مدعوة بالصورت العربي، من داخل الائتلاف أو من خارجه (شبكة أمان)، وهذا أمر غير مضمون، سيما في ضوء ارتفاع منسوب الاتهام والابتزاز الذي يمارسه نتنياهو و”صحبه” ضد خيارٍ من هذا النوع، لكأنها جريمة ترقى إلى مستوى الفضيحة، أن يجري الركون إلى نواب شرعيين، حصدوا غالبية أصوات مجتمعهم، في انتخابات حرة ونزيهة، رغم أنف الليكود واتهامات زعيمه للوسط العربي بالتزوير.
حكومة لا تستند إلى أغلبية يهودية – صهيونية، ستظل مطعوناً في “شرعيتها”، حتى وأن جاءت مدعومة بأصوات 66 نائباً، فالنواب في الكنيست، كما المواطنين في إسرائيل، طبقات، بعضهم دمه أحمر – قاني، وبعضهم الآخر دمه أزرق – عربي، وهذا سيُرتب إشكاليات للحكومة الجديدة والمجتمع ليست خافية على أحد.
القائمتان العربيتان، مدّتا يد التعاون لإيزنكوت وائتلاف المعارضة، وقادتهما تحلوا بأعلى درجات المرونة، من منطلق أن الأولوية التي تعلوها أولوية أخرى، هي إلقاء نتنياهو – بن غفير – سموتريتش في مزبلة التاريخ …. لكن “رقصة التانغو” بحاجة لشريكين، وليس ثمة من شريك جاد وجدي، للنواب العرب على مقاعد الكنيست الحالي، كما كان عليه الحال دائماً من قبل.
يتفرع عن هذا السيناريو، طريق التفافي، كأن يتوافق قادة أحزاب المعارضة، على تشكيل حكومة بالاستناد إلى شبكة أمان عربية، لفاصل من الزمن يمتد من نصف عام إلى عام كامل، يجري خلالها تجريد نتنياهو من أنيابه ومخالبه، بعد إحالته للمحاكمة بتهمة “التقصير”، إضافة إلى لائحة الاتهامات الممتدة، التي تنتظره منذ عدة سنوات، ثم يجري بعد ذلك حل الحكومة والكنيست، أو يصبح ممكناً إضافة أحزاب أخرى من معسكري اليمين، لضمان الاستغناء عن الصوت العربي.
وثانيها؛ خيار التناوب، وحكومة الوحدة، وهو المفضل لدونالد ترامب، الذي زعم بأن تأييده العلني لنتنياهو أحدث فرقاً كبيراً، ونقله من ظلمات الهزيمة النكراء، إلى نور التصدّر والصدارة، وهو زعم لا يقره أي فريق وازن وموضوعي من الإسرائيليين…هو خيار تفضله عادة، غالبية الإسرائيليين اليهود، كونه يحمل الاستقرار في جنباته، اليوم يدعم 55 بالمئة من الإسرائيليين خيار “الوحدة الوطنية”، وهو خيار يدعمه رئيس الدولة اسحق هيرتسوغ كذلك، الذي سبق وتعهد ببذل “الغالي والنفيس” لجعله ممكناً، ولكنه خيار مرفوض من قبل إيزنكوت وصحبه، سيما وأن ذاكرة هؤلاء ما زالت محمّلة بتجربة بيني غانتس وحزب “أزرق – أبيض” مع نتنياهو وحكومة التناوب، التي ما أن أنهى “ملك إسرائيل” رئاسته للجزء الأول من ولايتها، حتى ركلها بقديمه، وركل معها زعيم حزب تحصل على 35 نائباً في الكنيست، في زمن عزّ على غيره بلوغ هذه العتبة، في ظل تفاقم حالة الاستقطاب والتشظي التي تضرب الأحزاب والمجتمع الإسرائيليين … غانتس، خرج من السباق الانتخابي الأخير، بعد أن تأكد له أنه وحزبه، لن يبلغا عتبة الحسم…وليس ثمة من ضمانة لدى إيزنكوت، بأن لن يواجه مصيراً مماثلاً، إن هو وقع في فخ نتنياهو.
لكن تطورات الإقليم، قد يكون لها قول آخر، فاندلاع جولة جديدة من الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، قد تجعل الصعب ممكناً، وقد تملي على إيزنكوت تحت ضغط “الأمن القومي”، والضرورات التي تُبيح المحظورات، الانصياع لرغبة ترامب – هيرتسوغ … ساعتها، سيكون نتنياهو رئيساً للوزراء من جديد، وربما لولاية كاملة، وليس لأوقات الحرب والطوارئ فحسب….سيناريو هكذا، كفيل بتهميش العرب والحريديم وأقصى اليمين، فلا حاجة للأصوات العربية التي ستفقد دورها كـ “بيضة قبّان”، لن يبقى هناك “قبّان” أصلاً، ولن تكون هناك حاجة لأي بيضة عربية، وليذهب عتاة التطرف اليميني إلى الجحيم، أما “الحريديم”، الذين تآكلت قوتهم التمثيلية على أية حال، فقد يتعين عليهم البدء بالتدرب على حمل السلاح، إلى جانب دراستهم للتوراة والتلمود.
أما ثالثها، وأكثرها سوءاً للفلسطينيين والعرب والإقليم، فهو بلوغ المهل “الدستورية” خواتيمها، من دون نجاح أيٍ من الأطراف، في تشكيل حكومة جديدة … عندها سيستمر نتنياهو وائتلافه، في رئاسة وإدارة حكومة انتقالية، قد تمتد ولايتها لخمسة أو ستة أشهر، وبصلاحيات كافية لشن الحروب والعدوانات، والاستمرار في ترتيب “البيت اليميني” من داخله، وسدّ فجواته وثغراته.
وحين يحلُّ موعد الانتخابات المبكرة القادمة، في آذار أو نيسان القادمين، سيكون نتنياهو قد أحكم قبضته على معسكر اليمين الأكثر تطرفاً، وسيكون قد فعل في الإقليم، بالذات ضد إيران، ما يكفل “شد عصب “الفاشية من جديد…مقابل مصاعب ستواجه العرب في الحفاظ على زخم اندفاعتهم نحو صناديق الاقتراع، وربما حالة ترهل وانقسامات، ستلحق بمعسكر المعارضة … من غير المرجح أن يحظى خصوم نتنياهو بما تحصّلوا عليه في انتخابات الكنيست الـ 26، وهذا ما يريده نتنياهو، بل ويمكن القول، أن هذا هو السيناريو الأفضل للرجل المطارد بشبح “التحقيق في فشل السابع من أكتوبر”، والملاحقات القضائية في جرائم مُخلّة بالشرف.
يصعب التكهن بالوجهة التي ستسلكها جهود تشكيل الحكومة، فإسرائيل اليوم، موزعة على مروحة واسعة من الأحزاب المستقطبة، و”داخلها” بات عرضة لمختلف الأشكال التدخل والعبث من الخارج، وتحديداً من دونالد ترامب، الذي أجاز لنفسه التدخل في القضاء، ومارس ضغوطاً على رئيس الدولة لاستصدار عفو عن نتنياهو، ويفاخر اليوم بأنه من أوصل نتنياهو إلى موقع “الحزب الأول” و”التحالف الأول”، وهو يّعد بالتفكير في خطوته التالية، لفرض حكومة تناوب / وحدة على الجميع، فيما طبول الحرب، تُقرع بقوة، والسباق بين الدبلوماسية والتصعيد، يبلغ ذروة غير مسبوقة، والإقليم برمته، يقترب من اجتياز الأمتار القليلة المتبقية للوصول إلى المفترق الأخطر.

