صيف غزة الملتهب.. العطش يضيف فصلًا جديدًا من المعاناة

#سواليف

لم يعد سكان قطاع غزة يواجهون القصف والنزوح والجوع وحدها، فمع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، برزت أزمة العطش بوصفها واحدة من أكثر التحديات قسوة التي تثقل كاهل مئات آلاف العائلات، التي تكافح يوميًا لتأمين احتياجاتها الأساسية من المياه.

وفي الخيام المنتشرة فوق الأراضي الزراعية، وعلى أطراف الطرقات، وبين أنقاض المنازل المدمرة، تتضاعف الحاجة إلى المياه في وقت تتراجع فيه الكميات المتاحة بشكل حاد. فدرجات الحرارة المرتفعة تدفع الأهالي إلى استهلاك المزيد من المياه للشرب، بينما تعجز شبكات التوزيع المتهالكة ومحطات التحلية المتضررة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.

ويبدأ يوم كثير من النازحين بالبحث عن مصدر للمياه قبل أي شيء آخر. يحمل الأطفال أوعية بلاستيكية ويسيرون مسافات طويلة نحو نقاط التوزيع، فيما تنتظر النساء وصول صهاريج المياه التي قد تتأخر لساعات أو حتى لأيام. وفي كثير من الأحيان، تنتهي رحلة الانتظار بالحصول على كمية محدودة لا تكفي سوى للشرب.

ويقول خالد بركات، النازح في خيمة مهترئة غرب مدينة غزة، إنه لم يعد يملك رفاهية التفكير بأي أمر آخر، إذ يبدأ يومه منذ ساعات الصباح الأولى بحمل جالونات المياه والركض خلف صهاريج التوزيع لتعبئة بعضها، وسط ازدحام شديد يفوق قدرة تلك الصهاريج على تلبية احتياجات جميع النازحين.

وأضاف بركات لـ”قدس برس”: “أصبح كل تفكيرنا منصبًا على الماء قبل أي شيء آخر. السؤال الذي يتردد يوميًا هو: هل يوجد ماء اليوم أم لا؟”.

وتابع: “نقطع مسافات طويلة، ويخرج الجميع؛ الصغار والكبار، الأطفال والشيوخ والنساء، بهدف واحد فقط هو تعبئة الجالونات وعدم العودة خاليي الوفاض”.

وأشار إلى أنه عندما يتعذر الحصول على المياه من نقاط التوزيع، يضطر السكان إلى شرائها بأسعار مرتفعة رغم ضيق الحال، مضيفًا: “إذا لم نجد المال، نضطر إلى شرب أي مياه متاحة حتى وإن لم تكن نظيفة”.

ولفت إلى أن نقص المياه الصالحة للشرب تسبب في انتشار آلام الأمعاء ونوبات الإسهال بين الأطفال، مرجعًا ذلك إلى اضطرار الأهالي لاستخدام المياه الملوثة للشرب.

وشدد بركات على أن الأزمة تتفاقم مع دخول فصل الصيف، حيث تتحول الخيام البلاستيكية إلى ما يشبه الأفران المغلقة، بينما يحتاج الأطفال إلى كميات أكبر من المياه لتجنب الإصابة بالجفاف.

ولا يختلف الحال كثيرًا لدى تمام عزيز، التي تعيل أطفالها الثلاثة منذ استشهاد زوجها خلال الحرب، إذ تخوض مع دخول الصيف معركة يومية جديدة لتوفير المياه الصالحة للشرب لأبنائها.

وقالت عزيز لـ”قدس برس”: “أخرج منذ الصباح وأمشي مسافات طويلة بحثًا عن عربة تبيع مياه الشرب، وأحيانًا أعود دون أن أجد شيئًا، وأحيانًا أشتري مياه لا أعرف مصدرها لأن أطفالي لا يستطيعون تحمل العطش”.

وأضافت: “نخوض معركة يومية تبدأ منذ ساعات الصباح الأولى، نحمل خلالها الجالونات ونسير بين الخيام والشوارع الترابية تحت أشعة الشمس الحارقة على أمل العثور على صهريج مياه يمكننا تعبئة احتياجاتنا منه”.

وأوضحت أن ارتفاع أسعار المياه يزيد من معاناة العائلات النازحة، قائلة: “عندما نشتري المياه لا نملأ سوى جالون واحد ونضطر إلى ترشيد استهلاكه، لأن سعر الجالون الواحد يتجاوز خمسة شواكل”.

وأشارت إلى أن دخول الصيف سيعمق أزمة المياه، مضيفة: “الأطفال يطلبون الماء باستمرار بسبب الحر الشديد، وهذا يجعلني أخشى نفاد ما لدينا بسرعة”.

وأكدت أن العائلات تضطر في أحيان كثيرة إلى شرب مياه غير صالحة للاستهلاك بعد عجزها عن الحصول على المياه النظيفة، الأمر الذي يتسبب في آلام المعدة والمغص للأطفال.

ومع دخول فصل الصيف، تتزايد مخاوف آلاف العائلات الغزية من تفاقم أزمة العطش، في ظل تزايد انتشار الأمراض المعوية المرتبطة بتلوث المياه والجفاف. وبينما تستمر الحرب في إلقاء أعبائها الثقيلة على القطاع، تظل أزمة مياه الشرب تهديدًا يوميًا لحياة السكان الذين وجدوا أنفسهم يخوضون معركة جديدة من أجل البقاء.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى