صفّارات الإنذار لا تحمي الأرواح

صفّارات الإنذار لا تحمي الأرواح، والجاهزية لا تُبنى بالتحذير فقط. بين الخطر الإقليمي وواقعنا الداخلي، تبرز فجوة مقلقة في الاستعداد والشفافية.

بقلم: المهندس محمود “محمد خير” عبيد
في ظلّ تصاعدٍ غير مسبوق في التوترات الأمنية التي تضرب الإقليم، وتداعيات اقتصادية تتعمّق يوماً بعد يوم، يجد المواطن الأردني نفسه في قلب مشهدٍ معقّد، تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، ويتحوّل القلق من احتمالٍ بعيد إلى واقعٍ يوميّ ملموس. فالمسيّرات والصواريخ التي تعبر سماءنا، وما يرافقها من عمليات اعتراض قد تنتهي بسقوطها على أرضنا، لم تعد مجرد أخبار عابرة، بل باتت تهديداً حقيقياً يفرض نفسه على تفاصيل الحياة، ويستدعي مراجعة وطنية جادة تتجاوز الخطاب إلى الفعل.

في هذا السياق، يبرز سؤال مشروع ومباشر للمنظومة الحكومية، ماذا أعددتم فعلياً لمواجهة هذا الخطر؟، وهل اختُزلت الاستجابة بإطلاق صفّارات الإنذار، لتحذير الناس بأن الخطر فوق رؤوسهم، دون أن يُرفق ذلك بخطط واضحة وإجراءات عملية تضمن سلامتهم؟

مقالات ذات صلة

لا شك أن صفّارات الإنذار أداة مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن منظومة جاهزية متكاملة. فأين خطط التدريب والتأهيل؟، هل تم إعداد كوادر المستشفيات والفنادق للتعامل مع حالات الطوارئ واسعة النطاق؟، هل جرى تجهيز المدارس والحضانات لتكون بيئات آمنة، أو على الأقل لتعليم الطلاب والأطفال أسس التصرف وقت الأزمات؟ وماذا عن المصانع والشركات؟ هل وُضعت خطط إخلاء حقيقية، وهل تم تدريب العاملين عليها بشكل عملي لا نظري؟

وأين دور الدفاع المدني في بناء ثقافة مجتمعية واعية؟ لماذا لا نرى حملات توعوية منهجية، ولا برامج تدريب ميدانية، ولا حضوراً فاعلاً في المدارس والجامعات وأماكن العمل؟ إن إدارة الأزمات لا تبدأ لحظة وقوعها، بل تُبنى مسبقاً عبر الوعي والتدريب والتخطيط.

أما على صعيد البنية التحتية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً, أين الملاجئ؟ كيف لدولة تجاوز عمرها المئة عام، وخاضت تجارب قاسية من الحروب والأزمات، أن تفتقر إلى منظومة ملاجئ عامة حديثة ومجهزة؟ أين دور أمانة عمّان في هذا الملف، وهي التي لا تتأخر في استيفاء الرسوم والغرامات؟ هل توجد ملاجئ تليق بكرامة الإنسان، مزودة بالحد الأدنى من مقومات الحياة، يمكن للمواطن اللجوء إليها وقت الخطر؟ أم أن المواطن تُرك وحيداً، بين جدران منزله، ينتظر مصيراً مجهولاً؟

ما جدوى التحذير إذا غابت وسائل الحماية؟ وهل المطلوب من المواطن أن يسمع صفّارة الإنذار، ليتهيأ نفسياً للأسوأ و للنطق بالشهادتين، دون أن يمتلك خياراً حقيقياً للنجاة؟

لقد مرّ الأردن بمحطات تاريخية صعبة، وأثبت قدرته على الصمود، لكن الصمود وحده لم يعد كافياً. كان من الممكن، بل من الضروري، أن تُستثمر تلك التجارب في بناء منظومة متكاملة للأمن المدني، تبدأ من إنشاء الملاجئ، ولا تنتهي عند ترسيخ ثقافة إدارة الأزمات في المجتمع.

أين نحن من إدخال مساقات تعليمية تُعنى بثقافة الطوارئ في المدارس والجامعات؟ لماذا لا نعدّ جيلاً يعرف كيف يتصرف في لحظات الخطر، بدلاً من تركه فريسة للارتباك والخوف؟

ثم يأتي ملف الشفافية، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة. ففي أوقات الأزمات، لا يحتاج المواطن إلى التطمينات العامة بقدر ما يحتاج إلى معلومات دقيقة وواضحة. ما هو واقع المخزون الغذائي؟ ما هي التحديات الحقيقية في ملف الطاقة؟ إلى أين تتجه المؤشرات الاقتصادية؟ إن غياب الشفافية لا يحجب الحقيقة، بل يفتح الباب واسعاً أمام الشائعات، ويقوّض الثقة بين المواطن والدولة.

اليوم، تبدو الحكومة أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في إدارة الأزمة، بل في مصارحة الناس بحقائقها. فالتعامل مع هذه المرحلة يتطلب قرارات شجاعة، لكن الأهم أن تكون هذه القرارات نابعة من رؤية وطنية تضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار.

اقتصادياً، تتعمّق التحديات. فالقطاع السياحي، الذي ما يلبث أن يتعافى من أزمة حتى يدخل في أخرى، يقف مجدداً على حافة التراجع. والسؤال، هل هناك خطط إنقاذ حقيقية، أم سيُترك هذا القطاع الحيوي لمواجهة مصيره؟

وفي ملف الطاقة، تتزايد المخاوف مع الحديث عن استنزاف المخزون وارتفاع كلف التوريد في ظل ظروف الحرب. تشير تقديرات إلى أن البلاد قد تضطر قريباً لشراء الطاقة بأسعار مرتفعة، وهو ما سينعكس مباشرة على جيب المواطن، المثقل أصلاً بالأعباء. وهنا يبرز تساؤل جوهري، لماذا لم يتم تمكين الأفراد من إنتاج وتخزين الطاقة البديلة؟ ولماذا بقي هذا القطاع محصوراً، في وقت كان يمكن فيه بناء منظومة طاقة لامركزية تعزز الصمود الوطني؟

وفي خضم التطمينات الرسمية، التي تبدو أحياناً منفصلة عن واقع القلق الشعبي، يبرز انقسام واضح بين خطاب يميل إلى التهوين، وآخر يدرك حجم التحديات القادمة. لكن المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف التقديرات، بل في غياب خطاب شفاف يضع المواطن في صورة ما يجري.

لقد كشفت بعض الليالي الأخيرة، بما حملته من صفّارات إنذار وتعليمات غير مسبوقة، حجم المخاطر الكامنة. ليلة واحدة كانت كفيلة بإثارة أسئلة عميقة حول مدى الجاهزية، وحول قدرة البنية التحتية على حماية المدنيين في حال تطور الأحداث. ورغم الكفاءة التي أظهرتها الجهات المختصة في التعامل مع التهديدات الجوية، إلا أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى منظومة حماية مدنية متكاملة.

المفارقة اللافتة، أن الخطر حاضر، لكن الإحساس به يبدو غائباً نسبياً لدى شريحة من المجتمع، وهو ما يعكس فجوة أخرى، لا تقل خطورة، بين الواقع والتوعية.

إن المرحلة التي نمر بها لا تحتمل الاكتفاء بردود الفعل، ولا الخطابات المطمئنة غير المسنودة بخطط عملية. المطلوب اليوم هو إعادة ترتيب الأولويات، وبناء رؤية وطنية شاملة للأمن المدني والاقتصادي، تقوم على الجاهزية، والشفافية، والمساءلة.

في النهاية، يبقى الوطن مسؤولية الجميع، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق من يملكون القرار. فإما أن تكون هذه اللحظة نقطة تحوّل نحو تعزيز الجاهزية واستعادة الثقة، أو أن تبقى مجرد محطة جديدة في سجل الأزمات التي مررنا بها دون أن نتعلم منها ما يكفي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى