
صرخة صامتة..فهم حالات الانتحار بين الشباب الأردني وطلبة الطب.
منى الغبين
في اللحظة التي نقرأ فيها خبر وفاة طالب أو طالبة في كلية الطب نتيجة الانتحار.. لا يجب أن يتوقف الأمر عند كونه حادثة فردية.. ما يحدث هو مؤشر على خلل أعمق في الصحة النفسية لدى الشباب في وطننا.. وفي بيئة التعليم الجامعي بشكل خاص…
منذ سنوات قليلة.. كانت حالات الانتحار في الأردن تعد بالعشرات فقط سنويا..
لكن الأرقام الحديثة تظهر ارتفاعا واضحا…
ففي عام 2022 سجلت الجهات الرسمية في الأردن 137 حالة انتحار.. وفي السنوات التالية ظل الرقم مرتفعا أو في ازدياد،، مع تسجيل أكثر من 160 حالة في إحدى السنوات الأخيرة…
أحد أبرز الأمثلة التي أثارت جدلا واسعا مؤخرا ،،كان ما حصل مع طالبة في كلية الطب بالجامعة الأردنية والتي وثقت وصيتها في مقطع فيديو قبل أيام من إنهاء حياتها داخل حرم الجامعة… فقد لفتت الانتباه لما واجهته من ضغط أكاديمي ونفسي كبير وتوقعات اجتماعية عميقة دفعتها إلى الانهيار…
الحديث عن الانتحار عند طلبة الطب ليس محض صدفة… هذه الفئة من الشباب تعيش تحت ضغط شديد… طالب الطب لا يواجه فقط نظاما تعليمياصارما يعتمد على الامتحانات المتلاحقة وساعات الدراسة الطويلة،، بل يتعامل أيضا مع ثقافة لا تقبل الخطأ أو الضعف… في كثير من الأحيان ينظر إلى طلب المساعدة النفسية على أنه علامة ضعف بدلا من أن يكون سعيا نحو الصحة والعافية… وهذا يجعل الكثير من الطلاب يتحملون معاناتهم بصمت حتى يصلوا إلى نقطة لا يحتملون فيها استمرار الألم…
لكن القضية لا تتوقف عند طلبة الطب فحسب!..بل يشمل فئات متعددة من الشباب في المجتمع الأردني..
الضغوط النفسيةوالاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة تعد من الأسباب الأكثر ارتباطا بحالات الانتحار…هذه الحالات غالبا ما تبقى غير معروفة للكثيرين حتى وقت متأخر جدا من المعاناة..
وعوامل أخرى مثل التنمر سواء في المدارس أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي،، والمقارنات الاجتماعية الدائمة التي يشعر فيها الشاب بأنه أقل من الآخرين… والبطالة وضغط الحياة المعيشي والتي تزيد الإحساس باليأس من المستقبل…
وسهولة الوصول إلى وسائل الانتحار..في لحظات الضعف..
وفي كثير من الأحيان يرجع البعض أسباب الانتحار إلى ضعف الوازع الديني أو قلة التفهم من الأهل،، لكن هذه التفسيرات لا تعالج العمق الحقيقي للمشكلة… الانتحار غالبا نتاج تراكم طويل للضغوط النفسية والاجتماعية،،
وعند الحديث عن مسؤولية المجتمع في مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن إلقاء العبء على جهة واحدة..فالجامعات عليها أن توفر خدمات دعم نفسي فعالة ومتاحة لكل طالب وليس مجرد هيكل شكلي غير ملموس…
النظام التعليمي بحاجة إلى إعادة النظر في ثقافة التقييم والضغط الأكاديمي وإدراج برامج تعليمية تعزز مهارات الحياة والقدرة على مواجهة الضغوط…سواء جامعات أو مدارس..
الأسر تحتاج إلى فهم أفضل للصحة النفسية وأن يكون الحوار مفتوحا وداعما بدلا من أن يكون أحكاما ومقارنات…
الدولة مطالبة بتوفير استراتيجيات وطنية للصحة النفسية تشمل خدمات عامة ووصولا سهلا لدعم نفسي متخصص..أسوة بالدول المتحضرة التي تولي الصحة النفسية اهتماما خاصا للطلبة والمجتمع ..
ما يحدث اليوم يتجاوز الأرقام والإحصاءات.. إنه نداء للاستيقاظ كمجتمع قبل أن نفقد المزيد من شبابنا،، قبل أن تكون هناك قصة أخرى نقرأها وننساها بسرعة… الشباب يحتاج إلى أن يسمع أن يفهم،، وأن يجد من يقف إلى جانبه قبل أن يفقد أمله في الاستمرار…
ما نشهده ليس مجرد أرقام.. بل صرخة صامتة لشبابنا. على المجتمع وجامعاته وأسرهم والدولة أن يقفوا إلى جانبهم قبل أن تتحول معاناتهم إلى مأساة لا رجعة فيها،، وأن نجعل طلب المساعدة أمرا طبيعياً وحق مشروع…




