
شيخوخة على الورق… وشباب دائم في المناصب!
بقلم: أ.د. محمد تركي بني مسلامة
في هذا البلد العجيب أحيانًا، يبدو أن بعض المفاهيم لم تعد تعني ما تعنيه في أي مكان آخر. فـ الشيخوخة مثلًا لم تعد حالة بيولوجية مرتبطة بالعمر أو بالصحة، بل أصبحت – في بعض الحالات – وضعًا إداريًا مريحًا على الورق، يُفعَّل عندما يتعلق الأمر بالتقاعد، ويختفي فجأة عندما تُفتح أبواب المناصب والامتيازات.
فقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي معلومات تفيد بأن إحدى الشخصيات التي شغلت لاحقًا أكثر من حقيبة وزارية قد حصلت عام 2013 على تقاعد شيخوخة مبكر يقارب 5300 دينار شهريًا. وتقاعد الشيخوخة، كما يفهمه الناس، يعني أن صاحبه بلغ من العمر أو الحالة الصحية ما يجعله غير قادر على العمل أو الإنتاج، وربما حتى غير قادر على الوقوف طويلًا على قدميه.
لكن المفارقة التي تجعل المواطن يقف حائرًا – أو ضاحكًا بسخرية – أن هذه الشخصية نفسها عادت بعد سنوات قليلة فقط، ما بين 2018 و2020، لتتولى أكثر من حقيبة وزارية، بكل ما تتطلبه الوزارة من نشاط وجهد وقرارات ومسؤوليات.
وهنا يبرز السؤال البسيط الذي يتبادر إلى ذهن أي مواطن:
إذا كانت الشيخوخة قد بلغت هذا الحد عام 2013، فكيف استعادت عافيتها فجأة عندما ظهرت المناصب؟
وهل الشيخوخة في بلادنا مرض موسمي يظهر فقط عندما يتعلق الأمر بالوظيفة العادية، ثم يختفي تمامًا عندما يتعلق الأمر بالوزارة والمناصب العليا؟
ثم إن الحكاية لم تتوقف عند الوزارة. فبعد انتهاء التجربة الحكومية، عاد بعض أصحاب الشيخوخة المبكرة جدًا إلى النشاط في القطاع الخاص بكل حيوية، وكأن الشيخوخة التي استوجبت التقاعد المبكر قد تبخرت فجأة كما جاءت.
ولو جمعنا ما تم تداوله من أرقام حول الرواتب التقاعدية منذ عام 2013 حتى اليوم، فإن المبلغ قد يقترب من مليون دينار أردني. رقم يسمعه المواطن العادي فيشعر وكأنه يتحدث عن ميزانية دولة صغيرة، لا عن راتب تقاعدي لشخص واحد.
وفي المقابل، يُطلب من المواطن الأردني البسيط أن يشد الحزام أكثر، وأن يتفهم ضرورة تعديل قوانين الضمان الاجتماعي، وأن يقتنع بأن التقاعد المبكر عبء على الاقتصاد، وأن يتحمل المزيد من الأعباء لأن الظروف صعبة.
لكن المواطن يرى أمامه مشهدًا مختلفًا تمامًا:
أقلية مترفة تتقاسم الامتيازات والمغانم، ورواتب بالآلاف، وتقاعد مبكر، ومناصب عليا، وأبواب مفتوحة في القطاعين العام والخاص.
وفي الجهة الأخرى تقف الأغلبية؛ أغلبية تعمل وتتعب وتدفع الضرائب وتعيش بالكاد، ويُقال لها في النهاية إن أعظم ما حصلت عليه هو الأمن والأمان.
وكأن الأمن والأمان أصبحا الامتياز الوحيد المخصص للشعب، بينما تبقى بقية الامتيازات حكرًا على تلك القلة التي يبدو أن قوانين الدنيا والآخرة كُتبت على مقاسها.
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع أن الأردنيين شعب واعٍ جدًا.
شعب صبر كثيرًا، وتحمل الكثير من الضغوط الاقتصادية والقرارات الصعبة، وقدم من أجل وطنه ما لا يقدمه كثير من الشعوب.
لكن هذا الشعب، رغم صبره الكبير، ليس ساذجًا، وليس من السهل استغفال عقله أو الاستهتار بوعيه.
فالصبر شيء…
والتعامل مع الناس وكأنهم لا يرون ولا يفهمون شيء آخر تمامًا.
ومن يطالب الناس كل يوم بأن يثقوا بالحكومات وبكثير من المؤسسات، عليه أولًا أن يساعدهم على فهم هذه المفارقات الغريبة التي تحدث أمام أعينهم.
أما أن يُطلب من المواطن أن يصدق كل شيء، وأن يتجاهل ما يراه بعينيه، وأن يقنع نفسه بأن الشيخوخة يمكن أن تكون مرهقة جدًا عندما يتعلق الأمر بالعمل العادي، لكنها تختفي تمامًا عندما يتعلق الأمر بالوزارة والامتيازات…
فهنا لا نتحدث عن طلب الثقة من الناس،
بل عن طلب معجزة في التصديق.
والأردنيون، رغم صبرهم الطويل، يدركون جيدًا الفرق بين الاحترام لعقولهم وبين الاستهتار بها.# نسخة لمدير عام مؤسسة المواصفات والمقاييس



