
سدّ الوحدة… حين تتحوّل المياه إلى اختبار للعدالة والسيادة
بقلم: د. محمد بني سلامة
في منطقة تعاني أصلاً من شحّ الموارد الطبيعية، لا تُعدّ المياه مجرد عنصر حياة، بل تتحول إلى قضية سيادية تمسّ الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومن بين أبرز القضايا التي تعكس هذا الواقع المعقّد، يبرز ملف سد الوحدة بوصفه نموذجاً صارخاً لاختلال التوازن بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي على الأرض.
منذ توقيع اتفاقية عام 1987 بين الأردن وسوريا، بدا أن الطرفين قد توصلا إلى صيغة عادلة لتنظيم استغلال مياه نهر اليرموك. الاتفاقية حدّدت بوضوح عدد السدود والآبار المسموح بإقامتها في الجانب السوري قبل وصول المياه إلى السد، بما يضمن تدفقاً مستقراً ومنصفاً للطرفين. غير أن الواقع أثبت شيئاً مغايراً تماماً.
فمنذ لحظة التوقيع وحتى اليوم، أقدمت سوريا على إنشاء ما يقارب 49 سداً، إلى جانب حفر عدد كبير من الآبار الجوفية، متجاوزةً بذلك روح الاتفاقية ونصوصها. هذه الإجراءات لم تكن مجرد أرقام على الورق، بل انعكست بشكل مباشر على الواقع المائي في الأردن، حيث شهدت كميات المياه الواصلة إلى سد الوحدة تراجعاً حاداً، بلغ ذروته منذ عام 2023. هذا التراجع لا يمكن تفسيره بعوامل طبيعية فقط، بل يرتبط بوضوح بالتحكم المسبق بمصادر المياه في أعالي النهر.
وعند النظر إلى الجغرافيا، تتضح الصورة أكثر. يبلغ طول نهر اليرموك نحو 57 كيلومتراً، يقع منها 47 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، ما يمنح دمشق قدرة شبه كاملة على التحكم بمجرى النهر قبل أن يصل إلى الأراضي الأردنية. هذه الحقيقة الجغرافية تضع الأردن في موقع الطرف المتلقي، الذي يعتمد على التزام الطرف الآخر أكثر مما يعتمد على موارده الذاتية.
لكن التحدي لا يقف عند حدود الجغرافيا أو الالتزامات القانونية. فالفارق الكبير في الموارد المائية بين البلدين يضيف بعداً آخر للأزمة. إذ تُعدّ سوريا من الدول الغنية نسبياً بالمياه مقارنة بالأردن، الذي لا يتجاوز نصيب الفرد فيه 10% فقط من المعدل العالمي لاستهلاك المياه. هذا الرقم الصادم يكشف حجم الأزمة التي يعيشها الأردن، ويطرح تساؤلات مشروعة حول عدالة توزيع الموارد في إطار المشاريع المشتركة، وعلى رأسها سد الوحدة.
إن استمرار هذا الخلل لا يعني فقط نقصاً في مياه الشرب، بل يمتد تأثيره إلى قطاعات حيوية مثل الزراعة والطاقة. فالسد لم يُنشأ فقط لتخزين المياه، بل ليكون رافعة للتنمية الزراعية ومصدراً لتوليد الكهرباء. وعندما تتراجع كميات المياه، تتراجع معه فرص الإنتاج والاستقرار الاقتصادي، ما يضاعف من التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الكلفة الباهظة التي دفعها الأردن نتيجة هذا الخلل في تقاسم المياه. فحرمان الأردن من حصته العادلة لم يكن مجرد أزمة موارد، بل أجبر الدولة على البحث عن بدائل مكلفة لتأمين احتياجاتها الأساسية من المياه. وقد تجسّد ذلك في مشاريع استراتيجية ضخمة مثل مشروع “الناقل الوطني” لتحلية ونقل المياه، إضافة إلى اللجوء إلى شراء المياه من إسرائيل. هذه الخيارات، وإن كانت ضرورية لضمان الأمن المائي، إلا أنها حمّلت الخزينة الأردنية أعباء مالية هائلة تُقدّر بمليارات الدنانير. إن ما يدفعه الأردن اليوم ليس فقط ثمن شحّ الطبيعة، بل أيضاً ثمن اختلال العدالة في توزيع الموارد المشتركة، وهو واقع يفرض إعادة النظر بجدية في كل ما يتعلق بإدارة هذا الملف الحيوي.
سياسياً، لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن طبيعة العلاقة بين الأردن وسوريا عبر العقود الماضية. فقد ترافقت اتفاقية 1987 مع فترات من التوتر السياسي، وهو ما انعكس بشكل واضح على مستوى الالتزام ببنودها. واليوم، ومع التحولات السياسية التي تشهدها سوريا، تبرز فرصة لإعادة تقييم هذه العلاقة على أسس جديدة، يكون معيارها الأساسي هو العدالة الفعلية في تقاسم الموارد، لا الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية.
إن العدالة في توزيع المياه ليست شعاراً سياسياً، بل هي معادلة يمكن قياسها بالأرقام والنتائج. فكمية المياه التي تصل إلى السد، وحجم الاستفادة منها في الشرب والري وتوليد الكهرباء، هي المؤشرات الحقيقية على نجاح أو فشل أي اتفاقية. ومن هنا، فإن إعادة النظر في آليات تنفيذ الاتفاق، ومراجعة التجاوزات السابقة، باتت ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل.
في النهاية، يبقى سد الوحدة أكثر من مجرد مشروع مائي مشترك؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة الدول على الالتزام بتعهداتها، وعلى تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والتعاون الإقليمي. وإذا لم تُعالج الاختلالات الحالية بجدية وشفافية، فإن أزمة المياه في الأردن مرشحة للتفاقم، بما يحمله ذلك من تداعيات لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد إلى مستقبل الأجيال القادمة.




