
خواطر رمضانية
د. هاشم غرايبه
كل عام وأنتم بخير.
يعتقد بعض الناس أن الصيام فريضة خاصة بالمسلمين، ومعفى منه أهل الكتاب، وهذا اعتقاد خاطيء فهي ككل العبادات كتبها الله على كل متبعي الشرائع السابقة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” [البقرة: 183].
اعتقد العرب قبل الإسلام أن الصيام عبادة يهودية عندما رأوهم يصومون عاشوراء (ذكرى النجاة من فرعون)، لكن الموحدين الأوائل ممن تبقى من أتباع دعوة اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام، مثل ورقة بن نوفل، وقس بن ساعده، وزيد بن عمرو وغيرهم، كانوا يصومون أيضا، مما يدل على أن كل الشرائع السابقة فرض الله فيها الصلاة والصيام والزكاة، ولكن ما أضاعها هو تعرض الكثير من أحكام الدين والعبادات والشرائع للتحريف، لتصبح مجرد طقوس شكلية، فحوّلوا التوحيد الى تثليث، والصلاة إلى مجرد دعاء قبل الطعام، والصيام الى الإمتناع عن تناول المنتجات الحيوانية فقط والسماح بما هو غير ذلك.
لقد كان أخشى ما يخشاه هادي البشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يسلك المسلمون سبل من سبقوهم في الضلال، بعد أن يطول عليهم الأمد :”لتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا..”، لذلك حذرهم كثيرا من البدع، وأكد على تمسكهم بكتاب الله مرجعا أساسيا، وما صح من السنة مفسرا له، ومخصصا للمعمم منه.
من فضل الله علينا أن جعل كتابه بلغة عربية محددة الدلالات، لكي يقطع الطريق على من يحرفه اتباعا للهوى.
مع ذلك نجد أن بعض الفقهاء فسر قوله تعالى: “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” بأنه قصد الذين لا يطيقون الصيام أي يشق عليهم، فقالوا بجواز أن يتصدق بإطعام مسكين عن كل يوم يفطره، ووجد بعض من يبحثون عن الفتاوي المبيحة في هذا التفسير بغيتهم، ليرتاحوا من الصيام ومشقته، أن توزيع مال يعادل وجبة ثلاثين فقيرا تغنيهم عن الصيام.
تفسيرهم هذا خاطئ، لأن الله تعالى قادر على أن يأتي باللفظة المناسبة، لذا فهو قد قصد بـ (يُطِيقُونَهُ) معناها المباشر وليس عكسه كما توهموا، وعليه فإن تفسير الحكم يكون كالتالي: هذه الآية متعلقة بمن اضطر للإفطار في رمضان بسبب السفر أو المرض أو لأي سبب آخر، وكان يطيق الصيام (صحيح الجسم)، فإن عليه فدية أن يطعم مسكينا زيادة على قضائه لذلك اليوم الذي أفطره ، وليس ذلك بمغنٍ عن صيام ما أفطره بعد رمضان، أي لا يكتفى بقضاء كل يوم أفطره بل عليه زيادة عن ذلك دفع مال بقيمة وجبة طعام عن كل يوم، بدلالة قوله تعالى (فدية) أي مقابل افتداء نفسه من غضب الله.
هذه الفدية لا تغني عن السداد إلا أن يكون المرء شيخا طاعنا لا يقوى جسمه الضعيف على الجوع والعطش، أو مريضا مرضا لا يرجى شفاؤه يشكل الصيام فيه خطورة على حياته، أو يتعارض مع علاجه.
أما المصابون بالسكري، فهم على درجات، والقرار لطبيب مسلم تقي، ومع ذلك يجب أن تكون نيته الصيام لو استطاع، فلا ينوي الإفطار مسبقا، بل يبدأ نهاره صائما ويبقى ما استطاع من ذلك النهار، الى أن يتحقق من عدم قدرته على مواصلة الصيام، وعندها يجوز له الإفطار.
لقد علل لنا تعالى الصيام بأنه (لعلكم تتقون)، لذلك كيف يقنع المرء نفسه أنه متقٍ لله، وهو لا يستطيع مغالبة شهوة الطعام أو التدخين!؟.
إن تقوى الله هدفه الصلاح الفردي، وهو الغنيمة المتحصلة من جهاد النفس، والذي لا يتحقق إلا بمغالبتها، ووسيلته التدرب على عدم الانسياق وراء الرغبات والأهواء، وجعل اتباع القيم العليا مقدمة عليها.
الصيام لا شك فيه مشقة، وينتظر الصائم موعد الإفطار بفارغ الصبر، لكن فرحه بما أنجزه ذلك اليوم أكثر، فهو اجتاز امتحان التحمل بنجاح فبات أكثر قدرة، كما أنه حقق رصيدا مجزيا عند رب العالمين سيجده غدا بشكل نعيم مقيم.
فتقبل الله منكم الطاعات، وأجزل لكم الأعطيات.




