خلف الأكمة

#خلف_الأكمة

د. #هاشم_غرايبه

لا تجرؤ أنظمة (سايكس – بيكو) على الكشف عن مهمتها الأساسية في الحملة المنظمة لمكافحة الإسلام، فتلجأ الى التلاعب بالمصطلحات اتقاء للنقمة الشعبية، فتقول أنها لا تستهدف الإسلام بل الإسلامويين، وهو مصطلح غامض يقصدون به الذين يتظاهرون بالإسلام لأغراض منفعية وللحصول على مغانم السلطة، لكنه مطاط فيشملون به كل المطالبين بتحكيم شرع الله (الإسلام)، فإن كان نشاطهم هذا ضمن جماعات جهادية أسموهم إرهابيين، وإن كان سياسيا اتهموهم بأنهم طلاب سلطة، وكأن غير الإسلاميين يمارسون العمل السياسي ابتغاء الخير والفضيلة.
بالطبع لا يهم الأجهزة السلطوية العربية، ولا راعيها الغربيين كثرة اقبال الناس على الصوم والصلاة، ولا يضيرها استغراقهم في قراءة الأوراد والأدعية، ما يشغل بالهم أن لا يطالبوا بأن يكون الإسلام منهاجا سياسيا اقتصاديا اجتماعيا للدولة، لأنه نقيض مصالحهم وانتفاعاتهم، والمانع لفسادهم واستئثارهم بما هو ليس من حقهم من خيرات الأمة.
لذلك فلا يخيفهم امتلاء المساجد في صلاة الفجر بالمصلين، طالما يؤمهم شيوخ السلاطين، ويختمون خطبهم بالدعاء للسلطان الحاكم بأمر المستعمر بطول البقاء، ويتذرعون باتباع السلف الصالح، باعتبار قرارات ولي الأمر فتاوي شرعية حتى لو خالفت الشرع، ولو اتبع غير منهج الله.
المستهدفون بهذه الحملة هم دعاة التغيير الإصلاحي الجذري وليس الترقيعي، وهؤلاء هم الناشطون السياسيون والمفكرون والدعاة.
ولعزلهم وكشف الناس عنهم ابتدع معادو منهج الله تسمية لهم وهي الاسلام السياسي، ولجأوا الى التضليل بتوصيفهم بعكس ما هم عليه من خير وصلاح، من أجل وصمهم بتهم خطيرة تبرر قتلهم بلا محاكمة، فالمفكر أطلقوا عليه مسمى تكفيري، والداعية يسمونه متاجرا بالدين، والمقاوم الاحتلال الغزاة الإسلامي المنهج مسماه بلغتهم إرهابي.
بالمقابل، استغل هؤلاء الملاحقون المساحات القليلة غير المغطاة بالقوانين القمعية، فلجأوا الى ابتكار أدوات ووسائل، للتواصل الإجتماعي بديلا للدعوي المباشر، وهو العمل الخيري.
تمكن هؤلاء من تأسيس جمعيات استطاعت أن تنفذ من الرقابة الشديدة، وعن طريقها أوصلوا أموال الزكاة والصدقات الى مستحقيها، وأنقذوها من ان تنهبها الأيدي الطويلة للفاسدين، كما أنها وسيلة دعوية لإدامة شعلة الإيمان متقدة في النفوس، في أزمنة بات المتمسك بإيمانه كالقابض على الجمر.
لقد أثبتت الجمعيات الخيرية الإسلامية نجاحا وازدهارا، وبيّنت أن العمل التطوعي منتج ومفيد إن قامت على إدارته أياد نظيفة ونفوس تقية، مثما أنها كشفت فساد المؤسسات الرسمية المثيلة، والتي مصادر تمويلها أكبر بعدة أضعاف، لكن منتجها وما ينفع الناس منها لا يصل الى عشر معشار تلك الجمعيات الإسلامية التطوعية.
كما أثبتت تواجدا وفعالية كبيرة في الكوارث الطبيعية والحروب، مقابل ضآلة انجاز المؤسسات الحكومية ذات الصلة، ففي زلزال مصر عام 1992 الذي خلف سبعة آلاف بين مصاب وقتيل، وشرد خمسين ألف شخص، لم يكن هنالك تواجد رسمي فعال، وكان المنقذون ومقدمو المعونة في معظمهم من منتسبي الجمعيات الخيرية الإسلامية.
في الأردن كانت جمعية المركز الإسلامي الخيرية، أكبر المساهمين في العمل الخيري، وبجهود ذاتية تمكنت من انجاز أذرع استثمارية ناجحة في مجالات التعليم والصحة لتشكل مصدرا ذاتيا للدخل، لتمويل مشاريعها التي شملت كل المحافظات، وبأكثر من عشرة أمثال منجزات وزارة التنمية الإجتماعية الممولة من الخزينة ومن داعمين أوروبيين.
ولما كانت كثير من تبرعات المحسنين اليها بهدف إيصالها الى مقاومي الإحتلال ودعم أسر الشهداء في غزة، فقد شكل ذلك قلقا لمعسكر الحرب على (الإرهاب)، فقامت الحكومة بوضع يدها على الجمعية عام 2006 بحجة التحقيق في فساد مزعوم.
وها قد مر عشرون عاما ولم يتبين أن هنالك أي دليل، لكن الدولة ما زالت تسيطر على إدارة الجمعية، في مخالفة صريحة للقانون الذي لا يجيز تعيين لجنة حكومية أكثر ستة أشهر.
لكن يمكن فهم الأسباب الحقيقية إذا علمنا أن موجوداتها تبلغ أكثر 1.5 مليار دينار، وترعى 22 ألف يتيم، وتدير 55 مستشفى ومركز صحي و27 مدرسة بمواصفات عالية.
الحرب على الإسلام ستظل قائمة ما دام هنالك صراع بين الحق والباطل، لأن الله يريد أن يتخذ من كل جيل صِدّيقين وشهداء.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى