
خطة اليوم في رمضان – يوم في حياة صائم- ماجد دودين
بدايةً: بركة اليوم. التبكير إلى صلاة الصبح وسماع الأذان في المسجد:
والتبكير له فضل، وله بركته، ولكن للأسف الشديد! تجد كثيرًا من الناس لا يبكرون إلى المسجد إلا بسبب أن شيخًا مشهورًا سيستمعون إليه؛ فيضطر للتبكير ليراه وليقترب منه وليصافحه، ولكنه لا يبكر لوجه الله، أما المسجد الذي يصلي فيه في حيه فإنه يتأخر عن صلاة الجمعة والجماعة، يأتي في نصف الخطبة، أو يجلس قريبًا من الباب؛ لتكون مغادرته للمسجد سريعًا بعد انتهاء الخطيب، أسال الله أن يهدينا ويهديهم ويتوب علينا وعليهم.
انتبهوا … نريد أن نبكر إلى صلاة الصبح، ونسمع الأذان ونحن في المسجد، وهناك فوائد كثيرة للتبكير إلى المسجد وانتظار الصلاة، منها:
(١) ترديد الأذان والدعاء بعده. (٢) المحافظة على صلاة الجماعة. (٣) المحافظة على تكبيرة الإحرام.
(٤) إدراك الصف الأول، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا”، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها” سبحان الله!! تصلي في الجماعة الأولى في المسجد وتكون من شر صفوف الرجال؟!؛ فلذلك ينبغي أن تسارع إلى الصف الأول. قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول”، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستغفر للصف المقدم ثلاثًا، وللصف الثاني مرة، ثم يسكت ويلتفت ويصلي. لذلك فإن مسألة الاحتساب تحتاج إلى بحث، ابحث عن فضائل الأعمال.
(٥) إدراك ميمنة الصف، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف”.
(٦) إدراك التأمين وراء الإِمام في الصلاة الجهرية، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا آمين؛ فإن من وافق قولُهُ قولَ الملائكة؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه”.
قلت: يا لَلْخَيبة إنْ لم يَغفرِ اللهُ لنا!؛ لأنها مسألة سهلة جدًّا أنك بمجرد قولك: آمين منضبطة خلف الإِمام مع الإِمام يغفر لك فماذا يمنعك؟!، والوعود بمغفرة الذنوب المتقدمة كثيرة جدًّا، فبعد هذا كله إذا لم يغفر لك فكيف ومتى يغفر لك؟!، قال تعالى: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) [يونس: ١٠٨]، وقال جل جلاله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: ٤٦]. اللَّهم إنا نسألك الجنة.
(٧) التبكير إلى المسجد يمكِّنك من الإتيان بالنوافل المشروعة بين الأذان والإقامة.
(٨) التبكير إلى الصلاة دليل على أن القلب معلق بالمساجد، فمن السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه “ورجلٌ قلبُهُ معلق بالمساجد”، فإنه إذا اقترب موعد الصلاة فاذهب مسرعًا إلى المسجد، قال سعيد بن المسيب – رضي الله عنه -: لي أربعين سنة لم يؤذن المؤذن لصلاة من الصلوات الخمس إلا وأنا في المسجد، سبحان الله!، أربعين سنة يا من لا تقدر على أربعين يومًا، إن للعمل الصالح ثوابًا وللمداومة ثوابًا، والقلب المعلق بالمسجد لا يفارقه، بل يحب المكث فيه ويسارع بالعودة إليه.
(٩) التبكير إلى المسجد وانتظار الصلاة سبب لحضور القلب، وإقبال المرء على صلاته، وهذا الأمر هو لب الصلاة، كلما طال مكثه في المسجد وذكر الله؛ زالت مشاغله ومتعلقاته الدنيوية، وأقبل على ما هو فيه من قراءة وذكر. فمهما كان عندك من الهموم والمشاكل في العمل ومع الأهل والزوجة؛ فصل ركعتين (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: ١٩]، سترتفع عن الهموم الأرضية، وتحلق في سماء الطاعة، أما إذا جئت متأخرًا إلى الصلاة فاتك كل هذا الفضل والخير. فأقبل على الصلاة مبكرًا، واقعد بين الأذان والإقامة؛ ليمحو الله همومك بالذكر والصلاة وإقبالك بكليتك على الله، إن الذي يأتي إلى الصلاة متأخرًا سيظل قلبه مشغولًا بما هو فيه من هموم الدنيا أثناء الصلاة؛ ولذلك تلاحظ أن أول الناس دخولًا إلى المسجد هم آخر الناس خروجًا، والعكس صحيح.
(١٠) المبكر إلى الصلاة يتمكن من قراءة القرآن بين الأذان والإقامة، كيف تختم القرآن كل ستة أيام، وذلك بأن تبكر إلى الصلاة وتقرأ جزءًا قبل الصلاة بين الأذان والإقامة، إذًا تقرأ في كل صلاة جزءاً، في الخمس صلوات تكون قد قرأت خمسة أجزاء؛ فتختم القرآن كل ستة أيام.
(١١) يتمكن المبكر إلى الصلاة من الدعاء بين الأذان والإقامة، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد”، وكذلك تتمكن من الإتيان بأذكار الصباح والمساء بعد الصبح وقبل المغرب.
(١٢) إن من يأتي إلى الصلاة مبكرًا يأتي غالبًا بسكينة ووقار فيكون ممتثلًا لأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – فيحوز حبه، قال – صلى الله عليه وسلم -: “إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتموا”، وفي الرواية الأخرى: “إذا أتيتم الصلاة ائتوها بسكينة ووقار”، من يأتي إلى الصلاة مبكرًا يأتي ماشيًا، ومن يأتي متأخرًا يأتي مسرعًا.
هذه بعض فوائد التبكير إلى الصلاة، والتبكير يكون في كل الصلوات، ولكني أخص بالذكر الفجر والمغرب، وأحب أن أنبهك أن تستيقظ لصلاة الفجر لله وليس للعمل أو للسحور والأكل والشرب أو غير ذلك، بل لله وحده؛ لأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: “أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا وأشرك فيه غيري تركته وشركه” أو “فهو للذي أشرك”، فالعمل قليله وكثيره إذا كان منه شيء لغير الله لم يقبله الله جل جلاله، فقم الفجر لله، ولا تقم لغير الله؛ لأن الله لا يتقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتُغِيَ به وجهه.
واخرج إلى الصلاة لا تريد إلا الصلاة لتحصل على الأجر كاملًا، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “إذا تَوضَّأَ أحدُكُم فأحْسَنَ الوضوءَ ثمَّ خرجَ إلى المسجدِ لا ينزِعُهُ إلَّا الصَّلاةُ، لَم تزَلْ رِجْلُهُ اليُسرَى تمحو عنهُ سَيئةً، وتَكْتُبُ لهُ اليُمنَى حسنةً، حتَّى يدخلَ المسجدَ، ولَو يعلمُ النَّاسُ ما في العتْمَةِ والصُّبحِ لأتَوْهُما ولَو حَبْوًا”.
في صلاة الفجر بعد أن تصل إلى المسجد صل ركعتين فقط ولا تزد على ركعتين؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى أن يصلى بين الأذان والإقامة في الفجر إلا ركعتي النافلة، ثم استحضر الخشوع والسكينة وعليك بالدعاء؛ لأن قرآن الفجر مشهود تشهده الملائكة، والله سبحانه وتعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل نزولا يليق بجلاله حتى تنتهي صلاة الصبح.
وجمهور المفسرين على أن المراد بقرآن الفجر في قول الله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء: ٧٨]، أنه القرآن الذي يُقرأ في الصلاة، لتهيئ بذلك قلبك لقرآن الفجر.
احتفظ بحرارة الخشوع بعد الصلاة، وذلك بالمكث في المسجد أكبر فترة ممكنة بعد الصلاة، لا بد أن تعتكف حتى الشروق وبعد شروق الشمس بعشرين دقيقة تصلي ركعتين.
ماذا تصنع بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس؟
أولًا: تقول أذكار الصباح
ثانيًا: تقرأ وردك من القرآن.
لا بد أن توطن نفسك على هذا، على أن تمكث في المسجد أطول فترة ممكنة
لذلك إذا جلست في المسجد بعد صلاة الفجر فممنوع أن تتكلم، ممنوع التعامل مع أحد، ممنوع الانشغال بشيء غير الأذكار، لا تلتفت، لا تنظر إلى أحد، وجِّه وجهك إلى الحائط، وقل الأذكار، واقرأ وردك من القرآن، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامّة تامة”، ولا تنس الكلمات الخمس التي هي وصايا مهمة لا بد منها وهي: المشارطة، والمراقبة، والمجاهدة، والمحاسبة، والمعاتبة والمعاقبة.
أولًا: المشارطة: أن تشترط على نفسك وتقول لها: يا نفس، إن معنا رأس مال وهو العمر، ومعنا أدوات وهي الجوارح، ومطلوب أن نتاجر مع الله ونحصل على أكبر ربح وهو الجنة، فإن استطعت -أيتها النفس- أن تأخذي رأس المال والأدوات وتعطيني بعد ذلك الجنة فعلت وإلا فلا، فإذا استصعبتْ عليك نفسك فألزمها بالمكث في المسجد عقابًا لها. كان محمَّد بن المنكدر يجلس في المسجد يخاصم نفسه يقول لها: لماذا تحبين الخروج من بيت ربك؟!، تريدين أن تنظري إلى دار فلان ودار فلانة؟!، واللهِ ليس لكِ إلا هذه العجوز (يعني زوجته)، والله ليس لكِ طعام إلا هذه الكِسرة، وليس لك شرابٌ إلا هذه الشربة من ماء المسجد، أترضين أم تحبين أن تموتي؟، يقول: فأراها تقول: رضيتُ … رضيتُ، فهكذا افعل مع نفسك، لكن النفس مخادعة أمارة بالسوء توافقك ظاهرًا، وتريد أن تخالفك وترفض ما تشترط عليها؛ فتأتي الكلمة الثانية وهي المراقبة.
ثانيًا: المراقبة: راقب نفسك وكن رقيبًا على تصرفاتك، ولا تدع للنفس فرصة للتفلّت منك، إنك قد تخرج من المسجد فتقع عينك على امرأة متبرجة، فتجاهد نفسك وتمنعها من النظر وتقول لها: ألم نشترط الجنة؟!، كان أحد السلف يمشي في الشارع فوقعت عينه على امرأة؛ فضرب عينه حتى نفرت (يعني تورمت) وجعل يقول: مالي أراك تتطلعين إلى ما لا يحل لك. فراقب نفسك وألجمها وامنعها مما لا يحل لها، خذ بزمامها وخطامها وألزمها الصراط المستقيم، ولا تغفل عنها لكي تنجو.
ثالثًا: المجاهدة: وأشد شيء جهاد النفس، فهي مقيدة بقيد الجسم، مقيدة في هذا الجسم، ثم هي مقيدة بقيد العبودية، ثم أنت تتوعدها بقيد ثالث وهو قيد المكث في المسجد، فالنفس تحتاج إلى مجاهدة، وهذه المجاهدة لا بد لها من صبر وثبات أمام طغيان هذه النفس وتملّصها، جاهدها لكيلا تضيّعك وتسير في طريق جهنم، جاهدها ما استطعت
رابعًا: المحاسبة: لا بد من محاسبة النفس، قال الله سبحانه وتعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ) [آل عمران: ٣٠]، وقال سبحانه: (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) [النبأ: ٤٠]، سترى عملك بعينك وتسمعه بأذنك؛ لذلك يجب أن تجلس مع نفسك وتنظر في أعمالك لتصلحها قبل أن تراها يوم القيامة، اكتب أعمالك وضعها أمامك، وقل لنفسك: أتحبين أن تقابلي ربك بهذه الصحيفة؟!، هل ستأخذين كتابك باليمين أم بالشمال؟، هل هذا العمل تدخلين به الجنة أم تدخلين به النار؟، هل هذا يرضي الله عنك أم يسخطه عليك؟، وهذا هو توبيخ النفس وزجرها؛ لتعلم حقيقتها وقدرها.
خامسًا: المعاتبة والمعاقبة: وذلك بأن تعاتب نفسك وتؤدبها وتعاقبها بأن تمنعها مثلًا من بعض المباحات تأديبًا وزجرًا، وتهذيبًا وتربية، أو تعاقبها بأن تلزمها وتفرض عليها استغفار عشرة آلاف مرة وتمنعها من النوم، تعاقبها بأن تأكل خبزًا جافًّا بغير إدام وتشرب بعد الخبز ماءً فقط. بعض السلف أراد أن يعالج نفسه من الغيبة فما استطاع أن يعالجها بعد أن جرب معها بعض العلاجات، ثم عاقبها بأنه إذا اغتاب إنسانًا تصدق، فكلما اغتاب إنسانًا تصدق، حتى قال: فغلبني حبُّ الدنانير فتركت الغِيبة، فعاقب نفسك لعلك تستطيع قيادة زمامها.
تتمة الأعمال:
ثم بعد ذلك هناك صلاة الضحى فصلها ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان، ثم انصرف من المسجد، إن كان ثمة وقت للنوم أو المضي إلى العمل فامْضِ، ثم المحافظة على الأذكار الموظفة كأذكار دخول المسجد والخروج
منه، ودخول البيت والخروج منه، أذكار النوم، دعاء الأكل والشرب، دعاء الركوب، وعليك في هذا الشأن بكتاب حصن المسلم للقحطاني، أو كتاب مختصر النصيحة في الأذكار والأدعية الصحيحة.
فإذا مضيت إلى عملك فاعلم أنك في عبادة من ساعة نويت الصوم عند طلوع الفجر، كأنك دخلت الصلاة بتكبيرة الإحرام؛ فإياك أن تلتفت بقلبك عن الله أثناء النهار.
نعم: إنَّ نية الصيام عند الفجر بمثابة تكبيرة الإحرام، فأنت منذ ذلك الوقت في هذه العبادة -أي الصيام- متلبس بها، فلا تنصرف بقلبك عنها، فلا يصح أن تكون في عبادة وتكذب أو تغتاب أو تنم أو تنظر إلى امرأة متبرجة؛ لذلك قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الطعام والشراب، وقال جابر بن عبد الله – رضي الله عنه -: إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك من الكذب، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء. ليصم سمعك عن الحرام، ليصم عن الأغاني والغيبة، ليصم عن النفاق والنميمة، ليصم عن البذاءة والفحش، ليصم عن السب والشتم واللعان، ليصم سمعك عن سماع كل ما يغضب الله عَزَّ وَجَلَّ، وليصم بصرك عن النظر إلى النساء المتبرجات في الشوارع، في المجلات، في الأفلام والمسلسلات، في الفوازير والمسرحيات، في الإنترنت والفضائيات، ليصم بصرك عن الحسد واحتقار الناس، ليصم بصرك عن النظر إلى متاع الدنيا، ليصم بصرك فلا يرى إلا الخير والنور … لا يرى إلا القرآن … لا يرى إلا صفحة الكون المنظورة التي تزيده إيمانًا ويقينًا وخوفًا وتعظيمًا لله جل جلاله.
إنك قد تجد بعض الناس يصوم عن الحلال ويفطر على الحرام، يصوم عن زوجته الحلال ويفطر على النساء في الشوارع، يصوم عن الطعام الحلال ويأكل لحم أخيه ميتا بالغيبة والنميمة وهو حرام، يجلس أمام التلفاز فيرى النساء العاريات ويسمع الكذب والبذاءة، إخوتي، انتبهوا فإن المعصية في رمضان تختلف عن المعصية في غيره، والطاعة فيه تختلف عن الطاعة في غيره، فللأوقات المعظمة عظمة وحرمة، وقد قال الله تعالى في الأشهر الحرم: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: ٣٦]، تعظيمًا لهذه الأشهر. لذا كان من علامات التوفيق إقبال الطاعات وإدبار المعاصي، ومن علامة الخذلان إقبال المعاصي واستثقال الطاعات، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)) [محمَّد: ١٧].
شهر القرآن: ثم انتبه إلى أن رمضان شهر القرآن، فينبغي أن يكون العمل مضاعفًا في هذا الشهر، لا بد أن تكثف وتكثر في هذا الشهر من تلاوة القرآن.
ألست تحب الله؟، فلماذا لا تكثر من تلاوة كلامه؟ لو أحببت الله لأطعته، وأنا أقول لك: نعم وليس شرط المحب العِصمة، ولكن شرطه كلما زل أن يتلافى تلك الوَصْمة.
قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، فكأن وجود القرآن قبل التكليف بالعبادة، فكأنه قيل: احتفلوا بالقرآن … وتفرغوا لقراءة القرآن … ولكن -للأسف الشديد- تفرغ المسلمون اليوم للدورات الرمضانية، ومشاهدة المسلسلات، وصنع الطعام والحلويات، شيء عجيب!، الله فرغنا لتلاوة كتابه ونحن نعرض عنه
كان حال السلف في رمضان مع القرآن عجيبًا، أذكر لك حال الشافعي عليه رحمة الله، كان يختم في رمضان ستين ختمة، في اليوم يختم ختمتين، ختمة بالليل وختمة بالنهار، ولهذا علق الحافظ ابن رجب رحمه الله على حديث أنه “نهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث”، بأنه يجوز في الأماكن الفاضلة والأزمنة الفاضلة أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث حيث ورد هذا عن كثير من السلف وعن الصحابة، فقد ورد عن عثمان – رضي الله عنه – أنه ختم القرآن في ركعة أوتر بها في الحِجر.
قال ابن رجب: كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها.
كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن
وكانت عائشة – رضي الله عنها – تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال أبو الحسين محمَّد بن علي صاحب الجنيد: صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات.
أين نحن من هؤلاء!! …
إذًا فليستحوذ القرآن على غالب وقتك بالنهار قراءًة وتدبرًا وترتيلًا …
ولتحرص على الختمة دائمًا فلا تترك المصحف من يدك أبدًا، أما إذا كنت في عملك فالزم الذكر ولا تفتر مطلقًا.
احذر الذين يأكلون وقتك:
بعد أن تذهب إلى كليتك أو عملك ستجد من يقابلك فيقول لك: هل سمعت فزورة أمس؟، تعال نلعب لكي نسلي صيامنا … هل رأيت المسلسل؟ … هل رأيت المسرحية؟ … يريد أن يضيع وقتك ويعطلك عن طاعة ربك؛ لأن قلبه فارغ فيريد منك أن تكون مثله، وأشر ما على القلب خلطة البشر، لذلك أريدك -أيها الحبيب- أن تحُول الحوار لصالح الدين، أن تحول مجلس الغيبة والنميمة واللغو إلى مجلس لذكر الله، إذا قال لك: هل رأيت المسلسل؛ فقل له: وهل سمعت أنت أن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: ١٨٦].
هكذا يبتعد عنك أو تكون قد أفدته وعمَّمت الخير ودعوت إلى هدى، فإذا قرأ عشر آيات فكأنك قرأتها؛ لكني أريدك أن تنجو بنفسك … أن تعبد الله وحدك بجد ونشاط؛ فقد فاتت سنين طويلة وأنت تسوف وتؤجل، فها هو رمضان قد جاء فلا تضيع وقتك، فليس هناك مجال لتضييع الوقت، وإذا مدت إليك فتاة يدها لتصافحك؛ فقل لها: “إني لا أصافح النساء” كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -، فإذا قلت ذلك فسوف تتخلص من هذه المشكلة نهائيًا.
واحذر أن تضيع رمضان في المزاح، دعك من الضحك واللَّهو وتضييع الأوقات بالنكات الكاذبة الفجة المنكرة، إنما ينبغي أن يعلوك الحزن؛ لأنك تخاف ذنوبك، وتخاف يومًا تشيب فيه النواصي، فهل تستطيع أن تضحك في هذا اليوم والله يقول: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) [مريم: ٧١]، أريد أن تمتنع عن الضحك والمزاح قليلًا … خفف منه ما استطعت.
عكس المطلوب:
وكذلك تقلل من الأكل، والمصيبة أن الناس جعلوا رمضان موسمًا للأكل، شرع الله الصيام للامتناع عن الطعام بالنهار، فانفتح الناس فيه بالليل، وتجد تكلفة الطعام عنده في رمضان ضعف غيره من الشهور، لو قلت له: إنك تأكل في غير رمضان ثلاث وجبات، وفي رمضان وجبتين فقط، فلماذا لا تجعل الثالثة للفقراء؛ فيقول: ومن أين؟، إنني أقترض في رمضان من أجل الطعام
هذا هو الواقع عند كثير من الناس، صاموا عن الطعام بالنهار، وتوسعوا فيه بالليل … صاموا عن شهوة الفرج في النهار، فسخر بهم شياطين الإنس بالمسلسلات والأفلام والفوازير ليزيدوا لهم من هذه الشهوة في الليل، وهكذا حَصَّل الناسُ عكسَ المقصود من مشروعية الصيام في رمضان، فزادت الشهوات التي شُرِع رمضان لعلاجها وضبطها، وتلك عقوبة.
قال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [الزخرف: ٣٦]، وقال سبحانه: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: ١٦]؛ لذلك أقول لك: انس الضحك والكلام في نهار رمضان، أغلق فمك واكتب عليه: (مغلق للتحسينات والافتتاح في آخر رمضان إن شاء الله) … تعوَّد على المجاهدة، كان أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – يضع على لسانه حصاة يثقل بها لسانه حتى لا يتكلم.
اخرج للعمل وأنت ذَكَّار … وأريدك أن تعد الأذكار حتى تتشجع، قل سيد الاستغفار خمسمائة مرة … قلها مئة مئة … قل مئة، فإذا شعرت بلذة الذكر فاستمر وأكمل، فلا تدري متى يغلق عنك باب هذه اللذة، وهكذا ينفتح لك باب الأذكار … قل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ألف مرة أو أكثر، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم” ، حبيبتان إلى الرحمن!، سبحان الله العظيم!!، الله يدلك على ما يحبه ثم أنت لا تقوله!!، قل: رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم، أو صَلِّ على النبي – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة الإبراهيمية أو بأي صيغة أخرى من صيغ الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم -.
صلينا الصبح في جماعة، وجلسنا في المسجد حتى شروق الشمس، ثم صلينا الضحى، ثم ذهبنا إلى العمل، وفي العمل تنشغل بعملك فقط وتتقنه، وإن لم يكن هناك عمل فانشغل بالقرآن أو بالذكر، وحتى وأنت تعمل تستطيع أن تعمل بيدك، ولسانُك وقلبُك منشغلان بذكر الله، انشغل طوال يومك بالذكر في الطريق، في السيارة، في البيت، في كل وقت انشغل بذكر الله، لا تغفل … لا تفتر.
متابعة أحوال وعبادات أهل البيت:
الآن عدت من العمل، عندما تدخل بيتك، قبل أن تسأل زوجتك عن الطعام سلها عن الصلاة: هل صليتِ العصر … هل صليتِ الظهر … هل قلتِ الأذكار … كم مرة استغفرت اليوم؟، كم جزءًا قرأتِ في هذا اليوم؟، وتتابع أولادك: تعال يا بني ماذا حفظت اليوم؟، استغفرتَ اليوم كم مرة؟، صليت على النبي – صلى الله عليه وسلم – كم مرة؟، بماذا دعوت الله اليوم؟، قل يا بني: من ربك؟، ما دينك؟، من نبيك؟، قل يا بني: ما معنى الإِسلام … ما معنى اليقين … ما معنى الإخلاص؟، تعلَّم وعلِّم ولدك وزوجتك … هات المصاحف واجلسوا في حلقة تقرأ فيها معهم القرآن وتتدارسوه.
اللَّهم املأ بيوت المسلمين قرآنا وخيرًا وبركة، آمين.
البيوت اليوم مليئة بالمشاكل؛ لأنه لا يذكر الله فيها إلا قليلًا، البيوت مليئة بالمشاكل؛ لأن الزوجة ترى الزوج غافلًا فتزدادَ غفلة … ترى الزوج يعصي الله فتزدادَ هي عصيانًا … ترى الزوج لا يطيع الله فتجترئ عليه.
قال بعض السلف: إني لأرى ذنوبي في خُلُق دابتي وامرأتي … اللَّهم أصلح زوجات المسلمين.
لا تغفل عن السؤال عن الصلاة والصيام والذكر والقرآن
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من كانت الآخرةُ همَّه جمع الله عليه شملَه، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة”، اجلس مع أولادك وزوجتك قبل المغرب اقرءوا جزءًا من القرآن، واجتمعوا للدعاء لأنفسكم وللمسلمين … فيصبح البيت جنة، تعيش في جنة مع زوجة من الجنة وأولاد من الجنة.
انشغل بأذكار المساء حتى يؤذن المغرب، ثم تفطر على ثلاثة تمرات، ثم تشرب شيئًا من الماء، وعندما تفطر لا تنس دعاء وذكر الإفطار: ذهبَ الظمأ وابتلتِ العروق وثَبَتَ الأجرُ إن شاء الله … نسأل الله أن يأجرنا وأن يكتب لنا الأجر كاملًا، ثم صل بعد الأذان سنة المغرب القبلية، فيجتمع لك أمران: أن الوقت بين الأذان والإقامة يستجاب فيه الدعاء، وأن هذه ساعة إفطار يستجاب فيها الدعاء، وأنك وأنت ساجد يُستجاب لك الدعاء، فجمعت بين هذه الثلاثة؛ فاجعل من الدعاء دعاء للأمة، اللَّهم اكشف الغمة عن جميع الأمة.
صلاة المغرب في المسجد:
ثم سارع إلى صلاة المغرب جماعًة في المسجد، إذا أُذِّنَ للمغرب أفطِر، يباح الأكل مع الأذان وأنت تردده، ولا تنس أن للصائم عند فطره دعوةً مستجابة، فيا ترى ما هو الذي ستطلبه في هذا الدعاء؟، اطلب الجنة وأسبابها، اللَّهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل.
حين يؤذن المؤذن تذكر أنك مطالبٌ بصلاة فريضة، لا تجعل الارتباط بالأذان هو الأكل فقط، إنما الأذان نداء للصلاة، حي على الصلاة … حي على الفلاح، والأفضل أن تذهب إلى المسجد قبل الأذان وتقف تنتظر الصلاة، وساعتها تتذكر يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتجتهد في الدعاء أن ينجيك الله في هذا اليوم، فوائد كثيرة وكلها نافعة.
إن بعض الناس يقول: سوف أفطر ثم أخرج إلى الصلاة، وهذا غالبا ما تفوته ركعة لاستعجال الناس بصلاة المغرب، أقول: بل خذ معك تمرًا واذهب إلى المسجد، فإذا لقيت أحدًا في الطريق فأعطه تمرة يفطر عليها، فيكون لك مثل أجره، وادعه لصلاة المغرب معك في المسجد، وتكون قد أَمَّنْتَ على عبادتي الصيام والصلاة.
وتلك هي هواية التأمين على العبادات … من الناس من يهوى التأمين على السيارات والعمارات وعلى الحياة، وشركات التأمين حرام لا يجوز، فكن أنت من هواة التأمين على العبادات، عندما تذهب إلى الصلاة اصطحب معك أحد الناس، فلو خرجت من صلاتك بخمسين بالمائة فتكمل هذا النقص بصلاة هذا الذي صلى معك؛ لأن لك مثل أجره، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه”.
فكذلك عند الصيام، فَطِّر صائمًا يكتب لك مثل أجر صيامه، حاول أن تؤمن على عباداتك بأن تجعل لك رصيدًا مؤخرًا ينفعك إذا حصل منك نوع تقصير، أعط صائمًا تمرة وقل له: أفطر على هذه وادع لي، فإن للصائم دعوةً مستجابة، فعسى أن يدعو لك فيستجاب له، واحرص على أن يفطر معك كل يوم مسكينٌ، قد تقول: كيف أفطر مع مسكين وأترك أهلي وأولادي، أقول لك: اجمع بين الخيرين، واجعله هو يفطر مع أهله ولتفطر أنت مع أهلك بأن تعطيه جزءًا من الطعام الذي تعده لنفسك وأهلك الذي غالبًا تأكلون نصفه وترمون الباقي، من الآن اشتر الأطباق التي تستخدم لمرة واحدة لتملأها بأصناف الطعام كل يوم وتعطيه للفقير.
الإفطار الأمثل:
ثم تعود إلى بيتك سعيدًا منشرحًا، تلقي السلام وتبشرهم بالدعاء، ثم اجلس إلى الإفطار متذكرًا نعمة الله عليك، مستحضرًا حال من لم يجد الطعام، ولا تشغلك النعمة عن المنعم، وتذكر أن الله تعالى أمرك بالنظر قبل الأكل: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) [الأنعام: ٩٩]، قبل أن يقول: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأنعام: ١٤١]، فلابد أن تنظر إلى طعامك وتأمر أولادك بذلك لكي تشكروا نعمة الله، وتتدبروا رزق الله، وتشعروا بنعمة الله عليكم، هذه فائدة فاغتنمها.
ثم تذكر حديث النبي – صلى الله عليه وسلم -: “بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلًا: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه” ، وإني أحذرك من مجاوزة الحد والطغيان الحاصل في بيوت المسلمين في رمضان في موضوع الطعام والشراب، قال الله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) [طه: ٨١]، إياك والطغيان، وهو مجاوزة الحد، يجوز الشبع أحيانًا، لكن اعلم أنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. فإذا استوفيت الإفطار تكدر الليل بالنوم، وإذا استوفيت السحور تخبط النهار بالكسل، بل تأكل عند الإفطار الثلث حتى تشعر عند السحور بالجوع، فتستيقظ للسحور طاعة لأمر الله وطلبا لمرضاته، والتماسا لصلاة الله وملائكته على المتسحرين، وأيضًا لدفع الجوع الحاصل، والتقوّي بالطعام على الطاعة؛ لكي تستطيع أن تعمل في النهار، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه”، صلى الله عليك وسلم يا رسول الله، كان يمر الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيوت آل محمَّد نار، وهو سيدنا وسيد الخلق أجمعين – صلى الله عليه وسلم -.
سبحان الملك!، يظل شهرين ولا يذوق فيهما شيئًا قد طُهي على النار، فعلام كان يعيش هو وأزواجه؟، كانوا يعيشون على التمر والماء، فهل تستطيع أنت أن تعيش على التمر والماء؟، لماذا لا؟، ماذا سيحدث لو فعلت ذلك؟ إذا امتلأت بطنك، وأوشك الطعام أن يخرج من حلقك؛ سوف تستطيل الصلاة، ولن تخشع فيها، وتضطر للخروج إلى الحمام ويطول مكثك فيه، وإذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر أين أقامك؛ لذلك خفف، كُلِ الثلثَ فقط، وخير الهدي هدي محمَّد – صلى الله عليه وسلم -.
تخير الإِمام والمسجد:
ثم عَجِّلْ بالخروج إلى صلاة العشاء مبكرا لتقف خلف الإِمام، وتخير مسجدًا تستريح له وإمامًا تستمتع بصوته، ابتعد عن هؤلاء الذين يغنون، وابتعد عن ضجيج المساجد المشهورة، وابحث عن مسجد هادئ نظيف، وابحث عن إمام إذا قرأ حسبته يخشى الله تعالى، ولو كان بعيدًا عن بيتك، لا تبخل فالخطوات محسوبة وأجرك مدفوع.
فإنك عندما تدخل هذا المسجد تشعر بالسكينة، وعندما يقرأ هذا الإِمام تريد ألا ينتهي، ابحث عن هذا لعله يُرحم فتُرحم معه، رأى علي بن أبي
طالب رجلًا يحمل أمه في الطواف، فطاف خلفه وقال: والله إني لأطوف وما كانت لي نية في الطواف؛ لأني لمَّا رأيت هذا يحمل أمه علمت أنه ستنزل عليه رحمة فأردت أن يصيبني شيءٌ منها … فأنت عندما تصلي وراء إمام مخلص تشعر بأن الرحمة تنزل عليه وتصل إليك هذه الرحمة، ولا تمل من الصلاة خلفه.
تدبر القرآن آية آية … تذكر كيف كانت هذه الآيات تنزل على قلب النبي محمَّد – صلى الله عليه وسلم -، كيف كان الصحابة يعملون بها، وعندما تصلي خلف إمام واحد طيلة الشهر ستعرف بماذا يقرأ غدًا، فاقرأ القدر الذي سيقرؤه قبله أثناء النهار، وإذا لم تفهم كلمة وأنت تقرأ ارجع إلى كتب التفسير حتى تعيش المعنى الحقيقي للآية عندما يقرؤها الإِمام في القيام، فإذا عشت هذا المعنى فعلًا؛ فلن تمل حتى ولو قرأ الإِمام طيلة الليل.
كيف أُحصِّل الخشوع في القيام؟
ولكي تحصل الخشوع يجب أولًا أن تعرف فائدة الخشوع، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إن العبد إذا قام يصلي أُتِيَ بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد سقطت عنه ذنوبه”
فائدة تحصيل الخشوع:
أولًا: أنك كلما ركعت أو سجدت سقطت عنك الذنوب.
ثانيًا: أن الأجر المكتوب بحسب الخشوع.
ثالثًا: ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.
رابعًا: أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: “ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارةً لما قبلها”.
خامسًا: أن الخاشع في صلاته إذا انصرف منها وجد خِفةً من نفسه، وأحس بأثقالٍ قد وضعت عنه، يجد نشاطًا وراحة، وتصبح الصلاة قرةَ عينه وروحه، وجنةَ قلبِهِ ومستراحِهِ في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “يا بلال، أرحنا بالصلاة” ، وقال – صلى الله عليه وسلم -: “وجُعِلَت قرةُ عيني في الصلاة”.
هذه خمس فوائد للخشوع اجعلها سببًا لتحصيل الخشوع، لتخشع في الصلاة المفروضة، وصلاة القيام وتظل مع الإِمام حتى يتم صلاته.
استمر في الصلاة مع الإِمام حتى ينتهي، فقد جاء في حديث أبي ذر قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إن الرجل إذا صلى مع الأمام حتى ينصرف حُسِبَ له قيامُ ليلة”.
ماذا افعل بعد الرجوع من القيام؟
ثم تعود إلى البيت، لتجري مسابقة نافعة لأولادك مثلًا، استخرج آية من التي كان الإِمام يقرؤها فتقول لولدك أو زوجتك: متى سَمِعْتَ هذه الآية آخر مرة؟، فمن أجاب أعطه جائزة: تمرة … أو كتيبًا … أو ورقة أذكار … أو شريطًا جديدًا … أو ملابس العيد … أو هدية مناسبة، أو اجعلهم يتنافسون من يختم القرآن أولًا، تفنن في أن تحبب الله إلى أولادك وزوجتك. اجعلهم يحبون الله، أعطهم وأحسن إليهم وقل لهم: لولا أن الله أمرني بهذا ما فعلت هذا معكم أبدًا، فيحبون الله، فيحبونك، اجعل ابنك يحب الله لكي يحبك؛ لأنه لو أحبك من أجل أنك تعطيه، فسوف يكرهك عندما تمنعه، لكن لو أحب الله لأحبك سواء أعطيته أو منعته؛ لأن الله أمره بهذا، وكذلك فافعل مع زوجتك، وبعد أن ترجع من المسجد إياك أن تغفل، احتفظ بحرارة الخشوع، ولست أطلب منك أن تختم القرآن كل يوم مرة، ولا كل ثلاثة أيام، اختمه في كل أسبوع مرة، يعني اقرأ كل يوم خمسة أجزاء.
التهجد:
قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) [الإسراء: ١٧٩] تصلي التهجد ركعتين فقط كي تصيب السنة؛ لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: “أفضل الصلاة طول القنوت”، وعندما تقوم لا تنس أن تقيم امرأتك معك، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى ركعتين وأيقظ أهله، فإن أَبَتْ نَضَحَ في وجهها الماء”، اجتهد أن تقوم ساعة أو أكثر قبل أذان الفجر، فهذا وقت التنزل الإلهي كل ليلة، ينادي ربنا جل جلاله كل ليلة في السحر في ثلث الليل الآخر: “هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه”، حتى يطلع الصبح وذلك كل ليلة، فلا يفوتنك هذا الفضل العظيم، وكن من الذاكرين في هذه الساعة فهي بركة اليوم وكل يوم.
قال بعض السلف: ما علَّمني القيام إلا ولدي، قرأ يومًا: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) [المزمل: ١ – ٢] فقال: يا أبت، ما معنى قم الليل؟، قلت: يا بني أن يصلي العبد في الليل، قال: يا أبت فمالي لا أراك تقوم، قلت: هذه الآية خاصة بالنبي – صلى الله عليه وسلم -، فلما تعلم الولد: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) [الذاريات: ١٧]، قال: يا أبت، من هؤلاء؟، قلت: عباد الله المؤمنون، قال: فمالي لا أراك تقوم؟، قلت: سأقوم من الليلة يا بني، قال: يا أبت دعني إذا قمت أقوم معك، فقلت: يا بني أنت صغير لم تكلف بعد، فنم حتى تستريح، قال: يا أبت، أرأيت لو بعثني الله يوم القيامة فسألني: لِمَ لَمْ تقم؟!، أقول له: أبي قال لي: نم؟!، فبكى الرجل وقال: يا بني قم.
فهكذا ينبغي أن نعلم أولادنا القيام، أن نربيهم على ذلك، اليوم كثيرٌ منا لا يستطيع أن يصلي الصبح؛ لأنه لم يتربَّ في بيتٍ يصلي أو كان أهل البيت يصلون لكنهم لم يوقظوه، وإن استيقظ لا يصلي في المسجد، فلهذا ينبغي أن نعود زوجاتنا وأولادنا على الاستيقاظ من النوم للصلاة؛ بل يجب أن تكون أنت وزوجتك متناوبين؛ توقظها وتوقظك للصلاة، وتتعاتبا وتتعاقبا إن لم تقوما.
تقوم قبل الفجر بساعة أو بساعتين، توقظ أولادك كبيرهم وصغيرهم، وقبل الفجر بنصف ساعة تحضرون طعام السحور، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “السحور أكله بركة؛ فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جَرعة من ماء، فإن الله -عز وجل- وملائكته يصلون على المتسحرين” ، تأكلون في عشر دقائق، وتذهب إلى المسجد مبكرًا، وتصلي تحية المسجد قبل الأذان وتجلس تستغفر الله، (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات: ١٨]، وفي الحديث القدسي السابق يقول الله: “هل من مستغفر فأغفر له”، ثم تصلي الصبح، صلاة مشهودة محضورة … وهكذا تم يومك.
هل عزمتم؟!، هل من مشمر؟!، أسأل الله -عز وجل- أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله أن يوفقنا إلى الخير دائمًا في رمضان وفي غير رمضان … وهكذا أجبنا -بحول الله وقوته- على سؤال: كيف تعيش يومًا في رمضان؟
البرنامج:
(١) التبكير إلى صلاة الصبح في المسجد، فتخرج من بيتك قبل الفجر بربع ساعة، وصلاة المرأة في بيتها أفضل؛ حكم الشرع.
(٢) صلاة ركعتين تحية المسجد، ولزوم الاستغفار حتى يؤذن للصلاة، ثم صلاة ركعتي السنة.
(٣) تلاوة جزء من القرآن ما بين الأذان والإقامة إن استطعت وإلا فهو عليك بعد الصلاة
(٤) المكوث في المسجد بعد الصلاة، وقراءة أذكار الصباح، وجزء من القرآن آخر حتى طلوع الشمس، مع مراعاة عدم التحدث مع أحد أو الانشغال بأحد.
(٥) صلاة ركعتي الضحى ثم الخروج من المسجد.
(٦) الذهاب إلى العمل أو المدارس والكليات، أو العودة إلى البيت إن كان هناك وقت، والنوم لمدة ساعتين.
(٧) إذا كنت ستذهب إلى العمل فعليك بالذكر طوال الوقت، ولا تتحدث إلا فيما يرضي الله -عز وجل-، وأتقن عملك، ولا تفسد صيامك، وأحسن خلقك، إياك واللغو والرفث والغيبة والنميمة والكذب والفحش فكلها تنقض الصيام، واقرأ جزءًا من القرآن قبل صلاة الظهر وبعدها، وكذلك في صلاة العصر.
(٨) إذا كنت ستعود إلى المنزل، أو المرأة التي صلت في بيتها، فستنام لمدة ساعتين وتستيقظ في التاسعة تقرأ القرآن وتذكر الله حتى صلاة الظهر.
(٩) عند العودة من عملك، أو انتهاء المرأة من إعداد الطعام وأعمال المنزل عليك بجمع أولادك حولك تتابعهم وتسألهم ماذا أنجزوا من عباداتهم.
(١٠) يمكنك عمل حلقة قرآن في البيت مع زوجتك وأولادك، تقرؤون القرآن حتى قرب المغرب، ثم عليكم بالدعاء فإنه لا يرد.
(١١) الإفطار على ثلاث تمرات وشربة ماء، وصلاة السنة القبلية للمغرب في البيت، ثم الخروج لصلاة المغرب في المسجد.
(١٢) عليك بأخذ بعض التمر معك، أو العجوة، أو العصير؛ لإفطار الصائمين الذين لم يعودوا إلى منازلهم بعد
(١٣) صلاة ركعتين تحية المسجد إن كان هناك وقت لذلك، ثم صلاة المغرب، ثم العودة إلى بيتك للإفطار مع أهلك، وتكون زوجتك قد صلَّت المغرب مع أولادها الصغار.
(١٤) لا تنس إفطار الفقراء والمساكين، واشكر نعمة الله.
(١٥) التبكير إلى صلاة العشاء في المسجد لكي تقف خلف الإِمام، ويمكنك أن تأخذ زوجتك وأولادك معك، وصلِّ مع الإِمام حتى ينتهي.
(١٦) عد إلى بيتك واقرأ جزئي قرآن.
(١٧) نم حتى الساعة الثانية صباحًا.
(١٨) الاستيقاظ وصلاة ركعتي تهجد، وراع فيهما طول القنوت “الوقوف”.
(١٩) السحور قبل الفجر بنصف ساعة.
(٢٠) الاستغفار، ثم الذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر.
نصائح:
(١) المحافظة على الأذكار الموظفة (الصباح والمساء، دخول البيت والخروج منه، دخول المسجد والخروج منه، دعاء الركوب، دخول الخلاء والخروج منه ……).
(٢) التقليل من الكلام والإكثار من ذكر الله.
(٣) التقليل من الطعام، والتقليل من الإنفاق والتبذير.
(٤) التقليل من النوم، والمحافظة على ورد تلاوة القرآن.
(٥) التقليل من المواعيد والارتباطات واللقاءات والمكالمات الهاتفية
(٦) التقليل من الخروج من المنزل.
(٧) التقليل من مخالطة البشر.
(٨) غض البصر، حسن الخلق، الزهد في الدنيا.
(٩) حفظ اللسان من آفاته جميعًا مثل: (غيبة، نميمة، كذب، رياء، بهتان، لغو، رفث، فضول ….).
(١٠) المحافظة على جميع السنن القبلية والبعدية للصلوات.
(١١) المحافظة على السواك.
(١٢) دوام صدق التوبة باستمرار كل ساعة.
(١٣) صلة الرحم، بر الوالدين، صدقة كل يوم.
(١٤) إفطار صائمِين، إطعام فقراء ومساكين.
(١٥) تجريد النية وتحقيقها.
(١٦) علو الهمة والمنافسة.
(١٧) ختم القرآن أربع مرات على الأقل خلال الشهر مرة كل أسبوع.
(١٨) المحافظة على وردك من الذكر يوميًّا خمسة آلاف مرة (ألف استغفار، ألف سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ألف الباقيات الصالحات، ألف صلاة على النبي، وألف وِرد مختلف يوميًّا: تهليل، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، ومن زاد فهو أفضل
(١٩) عدم مشاهدة التلفاز.
(٢٠) الدعاء بظهر الغيب لجميع المسلمين.
(٢١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٢٢) الكف عن المعاصي تمامًا في رمضان وتجديد التوبة كل ساعة.
وصيتي لك …
هَذِهِ أَيَّامٌ تُصَانُ، هِيَ كَالتَّاجِ عَلَى رَأْسِ الزَّمَانِ، وَصَلَ تَوْقِيعُ الْقِدَمِ مِنَ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أنزل فيه القرآن).
يَا لَهُ مِنْ وَقْتٍ عَظِيمِ الشَّانِ تَجِبُ حِرَاسَتُهُ مِمَّا إِذَا حَلَّ شَانَ، كَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ رَحَلَ وَبَانَ وَوَجْهُ الصُّلْحِ مَا بَانَ (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن).
مِنَ اللازِمِ فِيهِ أَنْ تُحْرَسَ الْعَيْنَانِ، وَمِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُحْفَظَ اللِّسَانُ، وَمِنَ الْمُتَعَيَّنِ أَنْ تَمْنَعَ مِنَ الْخُطَى فِي الْخَطَا الْقَدَمَانِ (شَهْرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن).
زِنُوا أَفْعَالَكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِمِيزَانٍ، وَاشْتَرُوا خَلاصَكُمْ بِمَا عَزَّ وَهَانَ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ
فَسَلُوا الْمُعِينَ وَقَدْ أَعَانَ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فيه القرآن).
قَدْ ذَهَبَ نِصْفُ الْبِضَاعَةِ فِي التَّفْرِيطِ وَالإِضَاعَةِ، وَالتَّسْوِيفُ يَمْحَقُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بحسبان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن).
يَا وَاقِفًا فِي مَقَامِ التَّحَيُّرِ هَلْ أَنْتَ عَلَى عَزْمِ التَّغَيُّرِ؟ إِلَى مَتَى تَرْضَى بِالنُّزُولِ فِي مَنْزِلِ الْهَوَانِ. هَلْ مَضَى مِنْ يَوْمِكَ يَوْمٌ صَالِحٌ سَلِمْتَ فِيهِ مِنْ جَرَائِمِ الْقَبَائِحِ، تَاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَ الْمُتَّقِي الرَّابِحُ وَأَنْتَ رَاضٍ بِالْخُسْرَانِ. عَيْنُكَ مُطْلَقَةٌ فِي الْحَرَامِ، وَلِسَانُكَ مُنْبَسِطٌ فِي الآثَامِ، وَلأَقْدَامِكَ عَلَى الذُّنُوبِ إِقْدَامٌ، وَالْكُلُّ مُثْبَتٌ فِي الدِّيوَانِ. قَلْبُكَ غَائِبٌ فِي صَلَوَاتِكَ وَفِكْرُكَ يَنْقَضِي فِي شَهَوَاتِكَ، فَإِنْ رَكِنَ إِلَيْكَ مُعَامِلٌ فِي مُعَامَلاتِكَ دَخَلْتَ بِهِ خَانَ مَنْ خَانَ أَكْثَرُ كَلامِكَ لَغْوٌ وَهَذَرٌ، وَالْوَقْتُ بِالتَّفْرِيطِ شذر مذر، وَإِنِ اغْتَبْتَ مُسْلِمًا لَمْ تُبْقِ وَلَمْ تَذَرْ، الأَمَانَ مِنْكَ الأَمَانَ. تَاللَّهِ لَوْ عَقِلْتَ حَالَكَ أَوْ ذَكَرْتَ ارْتِحَالَكَ أَوْ تَصَوَّرْتَ أَعْمَالَكَ لَبَنَيْتَ بَيْتَ الأَحْزَانِ: سَيَشْهَدُ رَمَضَانُ عَلَيْكَ بِنُطْقِ لِسَانِكَ ونظر عينيك، وسيشار يوم الجمع إِلَيْكَ شَقِيَ فُلانٌ وَسَعِدَ فُلانٌ. فِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَقْرُبُ مِنْ قَبْرِكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِكَ، وَمَا أَرَاكَ إِلا كَأَوَّلِ شَهْرِكَ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ سِيَانٌ، قَدْ ذَهَبَ مِنَ الشَّهْرِ النِّصْفُ وَمَا أَرَى مِنْ عَمَلِكَ النَّصْفَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَاضِي قَدْ قَبُحَ الْوَصْفُ فَقُمِ الآن.
بتصرف من كتاب أسرار المحبين في رمضان – محمد حسين يعقوب




