
حين يتحوّل #الاجتهاد إلى #انقسام: #تهنئة_الميلاد بين الدين والسياسة
كتبت #شيرين_قسوس
في كل عام، ومع اقتراب أعياد الميلاد المجيدة، يتجدّد الجدل ذاته داخل المجتمعات الإسلامية، لا بسبب نصٍّ قطعي أو مسألة عقدية مركزية، بل بسبب اختلافات فقهية واجتهادات بشرية حول مسألة تهنئة المسيحيين بعيدهم. جدلٌ يتضخم على نحو يثير القلق، لا لخطورته الدينية، بل لما يكشفه من انشقاق حاد في الرأي، ومن قدرة هذا الخلاف على تمزيق وحدة المجتمع من الداخل.
لقد انقسم المسلمون بين من يرى التهنئة فعلًا إنسانيًا لا يتعارض مع جوهر الدين، ومن يحرّمها استنادًا إلى تأويلات واجتهادات فقهية غير قطعية. هذا الانقسام لم يبقَ في إطاره العلمي، بل خرج إلى الفضاء العام، وتحوّل إلى حالة استقطاب حاد، تُستخدم فيها المنابر ووسائل التواصل لإصدار الأحكام، وتبادل الاتهامات، وكأننا أمام معركة هوية لا مسألة فقهية قابلة للاختلاف.
المفارقة اللافتة أن هذا الجدل يتجاهل واقع الدولة ورمزيتها. فملك البلاد، وهو من نسل آل البيت، قام بتهنئة المسيحيين بعيد الميلاد، في موقف يعكس فهمًا عميقًا للدين والدولة معًا، ويجسّد تقليدًا راسخًا في الأردن يقوم على العيش المشترك والاحترام المتبادل. كما شاركت الملكة في التهنئة، في رسالة واضحة تؤكد أن هذا السلوك ليس خروجًا عن الدين، بل تعبيرًا عن وحدة المجتمع وتنوّعه.
الأكثر دلالة في هذا السياق هو موقف مفتي عام المملكة، الذي حسم الجدل بوضوح حين أكد أنه لا يوجد نصٌّ تحريمي صريح يمنع تهنئة المسيحيين بأعيادهم. وهو تصريح يعيد النقاش إلى حجمه الحقيقي: مساحة اجتهادية، لا ساحة تكفير أو تخوين. ومع ذلك، ظلّ صوت الانقسام أعلى من صوت العقل، لأن المشكلة لم تكن فقهية بقدر ما كانت سياسية ومجتمعية.
لقد ساهمت بعض الاجتهادات الدينية، المرتبطة بحسابات سياسية أو بخطابات تعبئة، في تعميق هذا الشرخ. فحين يُستَخدم الدين أداةً في الصراع السياسي، يفقد صفته الجامعة، ويتحوّل إلى وسيلة فرز وانقسام. وهكذا، وجد المسلمون أنفسهم مختلفين فيما بينهم، لا حول أصول العقيدة، بل حول مواقف اجتماعية فرضتها اجتهادات بشرية قابلة للخطأ والصواب.
اليوم، تدرك الدول خطورة هذا المسار. لذلك نرى توجهًا واضحًا نحو إعادة نسج النسيج الوطني، وترميم الثقة بين مكوّنات المجتمع، وإعادة توجيه البوصلة نحو الوحدة الوطنية بدل الغرق في خلافات تستنزف الداخل ولا تخدم أحدًا. فالأوطان لا تُحمى بالانقسام، ولا تُبنى بالاستقطاب، بل بالتعايش والاحترام، وبالتمييز بين الثابت الديني والاجتهاد البشري.
إن الخلاف في الرأي سنّة، لكن تحويله إلى صراع كارثي هو الخطر الحقيقي. وما أحوجنا اليوم إلى أن نتذكّر أن قوة المجتمع لا تكمن في تطابق الآراء، بل في قدرته على إدارة اختلافه دون أن يتمزق.



