حين تعيد الدولة حساباتها: التحول السعودي وإعادة التموضع الإقليمي ..

حين تعيد #الدولة حساباتها: #التحول_السعودي و #إعادة_التموضع_الإقليمي ..

#زكريا_البطوش

في لحظة إقليمية تتسم بالارتباك وحدّة الاصطفافات، يبرز التحول في السياسة السعودية بوصفه مراجعة ناضجة لمسار طويل، تؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس باندفاعها، بل بقدرتها على إعادة ضبط بوصلتها حين تتغير الوقائع .

هذا التحول لا يقتصر على تبديل تحالفات، بل يعكس فهمًا أعمق لوظيفة الدولة وحدود القوة ومعنى المصلحة .

مقالات ذات صلة

فبعد سنوات من منطق المحاور الحادة، الذي راكم الأزمات واستنزف الجميع، تبدو الرياض وكأنها تنتقل بهدوء من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة الفعل المحسوب، ومن إدارة الصراع إلى محاولة احتوائه .

ما يميّز هذا المسار أنه مراجعة عقلانية لا قطيعة فجّة ؛ فالدول الناضجة لا ترى في التراجع عن بعض الخيارات هزيمة، بل تعلّمًا .

ومن هنا باتت السياسة السعودية أقرب إلى منطق الدولة المؤسسية، حيث تُوزن القرارات بكلفتها الاستراتيجية لا ببريق اللحظة .

وفي هذا الإطار يبرز التباعد التدريجي مع الإمارات كأحد ملامح هذا التحول .. فبعد مرحلة من التقارب الشديد، بدأت الفوارق في الرؤى تتسع شيئًا فشيئًا، خصوصًا حول حدود التدخل وطبيعة الدور الإقليمي .

وبينما واصلت أبوظبي نهج الحضور المكثف وتوسيع النفوذ المباشر، اتجهت الرياض إلى إعادة تقييم نتائج هذا المسار، مدركة أن الإفراط في التدخل قد يتحول من مصدر قوة إلى عبء سياسي واستراتيجي .

أما في ملف التطبيع، فإن الموقف السعودي الذي يربط أي انفتاح بحل عادل للقضية الفلسطينية يعكس قراءة واقعية لا انفعالية ؛ فالتجاهل المستمر لجذور الصراع لا ينتج سلامًا مستدامًا، كما أن التفريط بالدور الرمزي للمملكة في العالمين العربي والإسلامي مقابل مكاسب آنية يظل مخاطرة أكبر من عوائدها .

في المحصلة نحن أمام محاولة سعودية هادئة لإعادة ترتيب الأولويات، دون ضجيج أو شعارات .

محاولة تعترف بأن القوة وحدها لا تصنع نفوذًا، وأن التحالفات لا تعوّض الشرعية، وأن السياسة حين تنفصل عن بعدها الأخلاقي تفقد قدرتها على الاستمرار .

وبين منطق الاصطفاف ومنطق الدولة، يبدو أن الرياض اختارت الطريق الأصعب .. لكنه الأقدر على الصمود

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى