حين تتكلم القوة، ويجيب التاريخ، القوة العابرة والحضارات الباقية

حين تتكلم القوة، ويجيب التاريخ، القوة العابرة والحضارات الباقية،

المهندس محمود “محمد خير” عبيد

في لحظات كثيرة من التاريخ يظهر من يتوهم أن امتلاك القوة العسكرية والاقتصادية يمنحه حق الوصاية على العالم. يتحدث باسم الحضارة وهو يمارس الهيمنة، ويرفع شعارات الحرية بينما يبني نظامًا يقوم في جوهره على الإكراه والقوة. وهكذا يتكرر المشهد عبر العصور؛ قوة تصعد فتظن أن التاريخ خُلق لها، وأن الأرض وما عليها خاضع لإرادتها.

غير أن التاريخ لم يكن يومًا ملكًا لقوة بعينها، ولم يكن العالم مسرحًا دائمًا لإمبراطورية واحدة. فقد اعتقدت الإمبراطورية الرومانية يومًا أنها قدر البشرية، وأن حدودها هي حدود العالم. واعتقدت الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر أن الشعوب الأخرى خُلقت لتكون أسواقًا لمنتجاتها وحقولًا لثرواتها. ثم جاءت قوى أخرى بعد الحرب العالمية الثانية لتتصور أن التفوق العسكري والتكنولوجي يمنحها الحق في إعادة تشكيل العالم وفق مصالحها.

مقالات ذات صلة

وفي هذا السياق يبرز المشروع الذي تمثله اليوم التحالفات الصهيوأمريكية في الشرق الأوسط؛ مشروع يقوم في جوهره على فرض موازين القوة لا على بناء توازن عادل بين الشعوب والدول. فالحروب التي شهدتها المنطقة خلال قرن من الزمن، والعقوبات التي تُفرض على الدول، والتدخلات السياسية والعسكرية المتكررة، ليست سوى تعبير عن عقلية ترى العالم ساحة مفتوحة للنفوذ، لا مجتمعًا دوليًا يقوم على القانون والعدالة.

إن خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان الذي يُرفع في المحافل الدولية يبدو في كثير من الأحيان مجرد أداة سياسية انتقائية؛ يُستحضر عندما يخدم المصالح، ويُهمَل عندما يتعارض معها. فكم من شعب تُرك لمصيره لأن مأساته لا تدخل في حسابات القوى الكبرى، وكم من صراع جرى توظيفه لإعادة رسم الخرائط السياسية بما يخدم توازنات النفوذ لا مبادئ العدالة.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الغطرسة السياسية غالبًا ما تكون بداية الانحدار. فكل قوة تتوهم أنها فوق المساءلة أو خارج قوانين التاريخ تكون في الحقيقة قد بدأت بالفعل مسار تراجعها، حتى وإن بدا في ظاهر الأمر أنها في أوج قوتها.

وهنا يبرز سؤال بسيط في ظاهره عميق في دلالته, أين هو هولاكو اليوم؟ وأين ذلك الطوفان من القتل والتدمير الذي اجتاح مدن الشرق وأسقط حواضر الحضارة؟ أين المغول الذين ظن العالم يومًا أن زحفهم لا يُهزم؟ لقد مضت تلك القوة التي أرعبت العالم إلى صفحات التاريخ، بينما بقيت الشعوب التي تعرضت لغزوهم، وبقيت الحضارات التي حاولوا طمسها. وهكذا يتكرر الدرس نفسه عبر القرون, قد ينجح الطغاة في إحراق المدن، لكنهم يعجزون عن إحراق التاريخ، وقد يملكون السيف زمنًا، لكنهم لا يملكون المستقبل. أما مصير الغطرسة و الخيانة و الانصياع للمستعمر مقابل العروش فيبقى دائمًا واحدًا, مزبلة التاريخ.

وما يجري اليوم من توتر متصاعد بين إيران من جهة، والتحالف الصهيوأمريكي من جهة أخرى، يعيد إلى الأذهان صراعًا تاريخيًا طويلًا بين عالمين كبيرين: عالم الفرس وعالم الروم. صراع امتد قرونًا طويلة، تبدلت خلاله موازين القوى مرات عديدة، لكنه ترك درسًا واضحًا, الحضارات العميقة لا تُهزم بسهولة.

فالحضارة الفارسية ليست مجرد دولة معاصرة ظهرت في القرن العشرين، بل امتداد تاريخي لإرث حضاري يمتد لآلاف السنين؛ من الإمبراطورية الأخمينية إلى الساسانية، مرورًا بتأثير ثقافي وسياسي واسع في آسيا والشرق الأوسط. وهذا العمق الحضاري يفسر إلى حد كبير قدرة هذا الشعب على الصمود في وجه الضغوط والتحولات.

ولا يعني ذلك التغاضي عن الأخطاء أو السياسات المثيرة للجدل التي انتهجتها إيران في بعض دول المنطقة، ولا تجاهل ما أحدثته تدخلاتها من توترات في سوريا أو لبنان أو اليمن أو العراق. لكن قراءة التاريخ تفرض الاعتراف بأن الشعوب التي تحمل إرثًا حضاريًا عميقًا لا ترى نفسها كيانًا عابرًا في الزمن، بل امتدادًا لمسار طويل من الوجود الحضاري الذي تسعى للحفاظ عليه.

ولهذا فإن الاعتقاد بأن الضغوط الاقتصادية أو التهديدات العسكرية قادرة وحدها على إخضاع شعب يمتد على مساحة تقارب مليونًا وسبعمائة ألف كيلومتر مربع ويضم عشرات الملايين من البشر، هو تصور يتجاهل منطق التاريخ نفسه. فالحضارات التي عبرت آلاف السنين لا تنهار بسهولة أمام العواصف السياسية.

غير أن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند الواقع العربي، وهو الجانب الأكثر إيلامًا في هذا المشهد. فبينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ، تبدو المنطقة العربية في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية، لا قوة مستقلة تمتلك مشروعًا حضاريًا واضحًا.

ولعل أكثر المفارقات قسوة أن كثيرًا من الدول التي تتغنى باستقلالها الوطني تستضيف في الوقت نفسه قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها. وفي ذلك تناقض صارخ بين خطاب السيادة وواقع الارتهان. فالتاريخ يعلمنا أن السيادة لا تتجزأ، وأن الأرض التي تُفتح للقواعد الأجنبية بحجة الحماية قد تتحول مع الزمن إلى نقطة نفوذ دائم للقوى الخارجية.

إن من يظن أن الاحتماء بالقوة المهيمنة سيحميه من تقلبات السياسة الدولية قد يكتشف متأخرًا أن تلك القوة لا تعرف صديقًا دائمًا ولا عدوًا دائمًا، بل تعرف شيئًا واحدًا فقط: مصالحها.

ومع ذلك، فإن الحديث عن صراع القوى والحضارات لا يعني الانحياز الأعمى لأي منها. فالتاريخ علمنا أن الحضارات، مهما عظمت، قادرة على ارتكاب الأخطاء كما هي قادرة على إنتاج المجد. ولهذا لا ينبغي أن يكون انتماؤنا قائمًا على التعصب لحضارة بعينها، ولا على الاصطفاف خلف قوة لمجرد أنها تناهض قوة أخرى.

إن انتماءنا الحقيقي كان وما يزال وسيبقى لهذه الأرض التي وُلدت فيها الحضارات نفسها؛ أرض المشرق، أرض بلاد الشام، ذلك الفضاء التاريخي الذي عُرف عبر العصور باسم “سوريا الكبرى”. هنا تعاقبت الحضارات منذ آلاف السنين؛ هنا قامت مدن الكنعانيين والآراميين والفينيقيين، وهنا خرجت الأبجدية الأولى التي علمت العالم الكتابة، وهنا التقت طرق التجارة والثقافة بين الشرق والغرب.

هذه الأرض لم تكن يومًا مجرد جغرافيا، بل كانت أحد أعمدة التاريخ الإنساني. فمن مرافئ الفينيقيين انطلقت التجارة إلى المتوسط، ومن مدن الآراميين انتشرت اللغة التي أصبحت يومًا لغة الشرق بأسره، وعلى هذه الأرض نفسها قامت ممالك ومدن تركت بصمتها في مسار الحضارة الإنسانية.

لهذا فإن انتماءنا ليس إلى إمبراطورية عابرة ولا إلى قوة تبحث عن الهيمنة، بل إلى حضارة مشرقيّة عميقة الجذور؛ حضارة كانت دائمًا نقطة التقاء بين الشعوب والثقافات، لا ساحة لصراع المشاريع الإمبراطورية.

وفي زمن تتنازع فيه القوى الكبرى على النفوذ في هذه المنطقة، يبقى السؤال الحقيقي, متى يدرك أبناء هذا المشرق أن أرضهم ليست مجرد ساحة لصراعات الآخرين، بل وطن يحمل إرثًا حضاريًا يستحق أن يُدافع عنه وأن يُبنى عليه مستقبل مختلف؟

ويبقى سؤال آخر أكثر إلحاحًا, إلى أين يمكن أن تقود هذه الهمجية السياسية والعسكرية التي تمارسها القوى المهيمنة في العالم؟ ومن سيضع لها حدًا؟ إن العالم، إذا أراد أن يتجنب الانزلاق الدائم نحو الحروب والصراعات، يحتاج إلى توازن حقيقي في القوى؛ توازن يمنع احتكار القرار الدولي ويعيد الاعتبار لمبدأ العدالة بين الأمم.

إن التاريخ يذكرنا دائمًا بأن الإمبراطوريات التي ظنت نفسها خالدة انتهت في النهاية إلى صفحات الماضي. سقطت قوى كبرى اعتقدت أن نفوذها أبدي، بينما بقيت الشعوب والحضارات التي حافظت على هويتها وذاكرتها.

وهنا يكمن الدرس الأكبر الذي يبدو أن كثيرين يرفضون تعلمه, القوة قد تفرض نفوذًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تلغي إرادة الشعوب، ولا أن تمحو ذاكرة الحضارات.

وفي النهاية يبقى التاريخ القاضي الأكثر صرامة بين البشر؛ فهو لا ينسى، ولا يجامل، ولا يمنح الخلود لمن اعتقد يومًا أن الأرض ملك له وأن الشعوب مجرد أدوات في مشروعه.

وعندما تُكتب صفحات هذا العصر بعد عقود أو قرون، قد لا يتذكر الناس حجم الترسانات العسكرية ولا عدد القواعد المنتشرة في العالم، لكنهم سيتذكرون سؤالًا واحدًا ظل يتردد عبر العصور, هل كانت تلك القوى تسعى إلى بناء عالم أكثر عدلًا، أم كانت مجرد إمبراطوريات جديدة أعادت إنتاج الغطرسة القديمة بأدوات حديثة؟

هذا السؤال وحده كفيل بأن يحدد من سيبقى اسمه في صفحات التاريخ، ومن سيُلقى به إلى هوامشه المظلمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى