
#حصاد #مائة_يوم من #وقف_إطلاق_النار في #غزة
بقلم د. مصطفى يوسف #اللداوي
اليوم السابع عشر من شهر يناير/كانون ثاني لعام 2026، وهو تمام اليوم المائة لفرض وقف إطلاق النار، وسريان الهدنة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجانب الإسرائيلي في قطاع غزة، منهياً بها حرباً ضروساً وحشية شنها جيش العدو الإسرائيلي بتعاونٍ ودعمٍ وإسنادٍ قل نظيره ممن فرض الهدنة على قطاع غزة، وقد استمرت حربهما الظالمة قرابة 27 شهراً متوالية، قتل فيها وأصاب ما يربو على ربع مليون مواطن فلسطيني، بعد أن دمر بيوتهم وخرب مساكنهم، وحرث شوارعهم، وقوض بنيانهم، وأفسد حياتهم، وشتت جمعهم، ومزق شملهم، وأجبرهم على النزوح تلو النزوح، والعيش في العراء غالباً في ظل الصقيع والعواصف والمطر، وتحت الخيام البالية أحياناً التي لا تقي من البرد ولا تحمي من المطر، وفرض عليهم حصاراً ظالماً وجوعهم وعطشهم وحرمهم من كل أسباب الحياة.
كثيرون يظنون أن الحرب قد توقفت فعلياً، وأن العدوان قد انتهى كلياً، وأن العدو عن قطاع غزة قد رحل، ومن مناطقه قد انسحب، وطائراته من أجوائه قد غابت، وامتنعت عن الإغارة والقصف، والقتل العشوائي والاغتيال المنظم، ولم يعد هناك دباباتٌ تفتح النار من فوهات مدافعها، وتقصف البيوت الباقية والجدران القائمة، وتطلق النار على اللاجئين في الخيام، والمنتشرين في العراء، والساعين للحصول على قوت يومهم في الشوارع والطرقات، فتمزق قذائفها أجسادهم، وتبعثر أشلاءهم، ولا تفرق أبداً بين صبيةٍ وأطفال يتضورون جوعاً، وشبانٍ ورجالٍ يغامرون بحياتهم لجلب الطعام لأهلهم، ونساءٍ وفتياتٍ يبكين أبناءهن وأشقاءهن، ويشتكين للعالم سوء أحوالهم وبؤس حياتهن.
لكن الحقيقة التي لا يستطيع العالم كله أن ينكرها أو أن يغفل عنها ولا يذكرها، أن الحرب على قطاع غزة لم تنته فعلياً، ولم يلتزم العدو بالهدنة ولا بشروط وقف إطلاق النار، ولم يحترم خطة ترامب ولم ينفذ بنودها، وما زال كل ما ذكرته أعلاه وأكثر يرتكبه كل يوم، ويقوم به جيشه القاتل بلا توقف، في الوقت الذي يستولي فيه على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، المعروفة بأنها أراضي زراعية، وأنها سلة طعام أهل غزة، ويحرث أرضها ويسوي بالتراب ما بقي من مبانيها، ويحشر قرابة مليوني مواطن في مساحةٍ تقل عن 40% من مساحة القطاع الغربية، الضيقة الخالية من الحقول والمزارع والبساتين، وتفتقر إلى حاجاتها الأولية من الخضار والفواكه، فضلاً عن انعدام المباني السكنية والخيام الصالحة للعيش تحتها، وغرق المنطقة كلها بمياه الأمطار والمياه العادمة والقمامة والفضلات، ما أدى إلى انتشار الأمراض وتوالد الحشرات، وتدهو الحالة الصحية لمعظم السكان.
مائة يومٍ قاسية مرة مرت على سكان قطاع غزة وكأن شيئاً لم يتغير عليهم سوى عمليات القصف المتواصلة، والغارات الجوية العنيفة، في ظل التشرد والتيه والضياع، واللجوء والنزوح والعراء، بينما مسلسل القتل وعمليات الاغتيال المنظمة ما زالت قائمة، والغارات الثأرية والانتقامية ما زالت مستمرة، إذ قتل جيش العدو بغاراتٍ حربيةٍ وأخرى نفذها طيرانه المسير أكثر من 300 عملية اغتيال منظمة، طالت قادة ومسؤولين، ومقاتلين ومواطنين، ولم تستثن عملياته العدوانية الأطفال والنساء والشيوخ وعامة الموطنين، بذرائع شتى وحجج كاذبة واهية، لا تبرر القتل ولا تجيز العدوان، إذ لا أصل لها، وفي حال صدق في روايته فإنها لا تشكل خطراً على حياة جنوده وأمن وسلامة جيشه.
ذكرت وزارة الصحة الفلسطينية بمناسبة مرور مائة يوم على الهدنة في قطاع غزة، التي بدأت يوم العاشر من أكتوبر/تشرين أول عام 2025، أن عدد شهداء قطاع غزة بلغ 447 شهيداً، من بينهم أكثر من 100 طفل وعشرات النساء والشيوخ، حيث يتعمد جيش العدو العمل بشدة في المناطق المصنفة بأنها سكنية وعامة، ولا يسجل فيها عمليات للمقاومة، أو ظهور مسلح لعناصرها، أو اشتباه بوجود أحدٍ من قيادتها فيها، إلا أن العدو يمعن في سياسته ويثخن في عملياته، في محاولة يائسة منه لتيئييس سكان قطاع غزة، وتأليبهم ضد المقاومة، ودفعهم للثورة ضدها والانقلاب عليها.
بينما ذكرت وسائل إعلامية وأخرى حقوقية تتابع الأوضاع في قطاع غزة، وترصد الانتهاكات الإسرائيلية، وتسجل وتوثق الجرائم التي يرتكبها جيشه، أن عدد الاانتهاكات الإسرائيلية للهدنة الموقعة بلغ 1244 حادثة، تسببت أغلبها في وقوع عمليات قتل فضلاً عن الدمار والخراب الذي تحدثه فيما تبقى لسكان قطاع غزة من جدران وبيوت ومدارس ومقار عامة وأماكن لجوء دولية ووطنية.
وذكرت الوسائل ذاتها وأخرى تعنى بالشؤون الإنسانية وتنشط في مجال الجمعيات الخيرية وقوافل الإغاثة الشعبية، أن العدو لم يلتزم أبداً بما تم الاتفاق عليه لجهة تخفيف الحصار، والسماح بإدخال المؤن والوقود والغاز والمعونات الغذائية، فضلاً عن الخيام والمساكن المسبقة الصنع “الكرافانات”، وأن عدد الشاحنات المصنفة مساعدات لا تشكل نسبةً كبيرة إلى جانب الشاحنات التجارية التي لا يستفيد منها السكان لانعدام القدرة الشرائية لديهم، إذ لا أموال ولا مساعدات، ولا مشاريع عمل ولا تجارة خارجية ولا محال تجارية محلية تدر عليهم أموالاً وتوفر لهم سيولة مالية تمكنهم من البيع والشراء.
نأمل جميعاً وسكان غزة كلهم، أنه بانقضاء المائة يوم الأولى للهدنة، الذي صادف استلام اللجنة الوطنية الإدارية المؤقتة مهام عملها الجديدة في قطاع غزة، أن تكون الأيام القادمة خيراً من سابقاتها، وأن تحمل معها الأمن والسلام والطمأنينة والأمان، والصحة والعافية وسلامة الأبدان، ويرفع الحصار وتفتح المعابر ويبدأ الإعمار، وينسحب العدو ويعود الناس جميعاً إلى بلداتهم ومناطقهم، ويعمرون ما دمر من بيوتهم ومساكنهم.
بيروت في 17/1/2026


