حجية السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي(1) / محمود عبابنة

حجية السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي(1)
للسنة المطهرة مكانة عظيمة في التشريع الإسلامي فهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم,والتطبيق العملي لما جاء فيه, والشارحة لألفاظه ومعانية,والمفصلة لمجمله, والمبينة لغامضه.فقد استمد منها الفقهاء أحكامهم وقعد الأصوليون منها أصولهم وقواعدهم,واقتدى بها المسلمون بأحوالهم وشؤونهم على مدار التاريخ الإسلامي أجمع.وكانت أنيسة السائرين إلى الله على مدار القرون المنصرمة في طريقهم ترشدهم وتبين لهم معالم الطريق وحدودها, وتشحذ همتهم على الصعاب, وتلهمهم الصبر على المشاق,و تؤلف بين قلوبهم. وتوحد كلمتهم وصفوفهم.
ولقد احتلت السنة المشرفة مكانة عالية في نفوس المسلمين على مدار العصور واعتنى بها علماؤهم عناية شديدة وحرصا تاما على جمعها والتحقق من صحيحها وإخراج الموضوعات فيها, فانبرى لهذه المهمة رجال ليسوا ككل الرجال بما حباهم الله من همة متوقدة وذكاء قادح وصبر وجلد على تتبعها وتتبع رجالها, وفوق ذلك إخلاص منقطع النظير لله في كل أعمالهم وكتاباتهم.فكان منهم عروة بن الزبيروسعيد بن المسيب والحسن البصري و الزهري محمد بن شهاب الزهري والإمام مالك و الإمام أحمد بن حنبل وعلى رأسهم أمير المؤمنين في الحديث ابو عبدالله محمد بن اسماعيل البخاري وابو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم والنسائي والترمذي والخطيب البغدادي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر العسقلاني وغيرهم الكثير الكثير من أئمة العلماء الأجلاء الذين أفنوا أعمارهم في تنقية السنة مما غشاها من الشوائب والأكدار.
وللأسف هناك من يأتي في عصرنا ويلغي السنة كمصدر للتشريع أو يصحح الأحاديث بناءا على هواه ويرد الأحاديث الصحيحة التي لا تناسب معتقده وفكرته.ويتهم السنة بإتهامات هي منها براء, ويتشدق بالكلام الغليظ الذي لا يراعي إحتراما ولا أدبا مع سنة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. فيصف السنة بكلام لا يخرج من مسلم يرعى لله ولرسوله حرمة. ولا يعرف لنبيه صلى الله عليه حقا ولا فضلا.
وسوف أقوم بهذه السلسلة الطيبة بإذن الله بالرد على منكري حجية السنة المطهرة وتفنيد كل شبهاتهم وادعائاتهم تفنيدا علميا محكما رصينا بالأدلة القاطعة التي إذا سمعها من بقلبه ذرة إيمان سلم لها تسليما وأذعن لها إذعانا وطأطأ رأسه خجلا مما كان يعتقده ويؤمن به.
معنى السنة لغة وشرعا :
أما لغة : فهي الطريقة المسلوكة ، وأصلها من قولهم : سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه ، حتى يؤثر فيه سنا أي طريقا .
وقال الكسائي : معناها الدوام ، فقولنا : سنة معناه الأمر بالإدامة من قولهم : سننت الماء إذا واليت في صبه .
قال الخطابي : أصلها الطريقة المحمودة ، فإذا أطلقت انصرفت إليها ، وقد يستعمل في غيرها مقيدة ، كقوله : من سن سنة سيئة .
وقيل : هي الطريقة المعتادة ، سواء كانت حسنة أو سيئة ، كما في الحديث الصحيح” من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة”.
وأما في الإصطلاح فيختلف تعريف السنة عند المسلمين بحسب العلوم:
فعلماء الحديث مثلاً بحثوا في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره محل القدوة والأسوة في كل شيء ، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق وشمائل وأخبار وأقوال وأفعال .
فالسنة عندهم : هي ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية ، أو سيرة ، سواء كان قبل البعثة أو بعدها مما يصلح كحكم شرعي أو لا يصلح . وتشمل السنة في اصطلاح المحدثين صفاته الخَلْقية وهي هيأته التي خلقه الله عليها وأوصافه الجسمية والبدنية ، وصفاته الخُلُقية وهي ما جبله الله عليه من الأخلاق والشمائل ، وتشمل كذلك سيرته صلى الله عليه وسلم وغزواته وأخباره قبل البعثة وبعدها .
وقد دوّن المحدثون هذه السّنّة جميعها وتلك الأقسام وحفظوها في أمهات كتب السّنّة ومصادر السيرة النبوية الشريفة التي تشهد جهدهم وجهادهم في حفظ هذا الدين.
أما الفقهاء فإنهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوباً أ وحرمة أو استحباباً أو كراهة أو إباحة ، ولذلك فإن السنة عندهم هي ما يقابل الفرض والواجب . فهي أحد الأحكام التكليفية الخمسة : الواجب والحرام ، والسنة ، والمكروه والمباح .
أما علماء الأصول فقد بحثوا في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره المشرِّع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده ، ويؤصل الأصول التي يستدل بها على الأحكام ، فعنوا بما يتعلق بذلك وهي أقواله وأفعاله وتقريراته .
فالسنة عندهم : هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلاً لحكم شرعي فقط .
وعند علماء العقيدة؛ السنة هي هدي النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في أصول الدين, وما كان عليه من العلم والعمل والهدى, وما شرعه أو أقره مقابل البدع والمحدثات في الدين.

محمود عبابنة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى