
#سواليف
أرسلت السلطات الإسرائيلية لوزارة الصحة في غزة 66 صندوقاً تضم رفاتاً وأشلاء وأعضاء بشرية، تضمنت جثثاً مبتورة الأطراف وأخرى مقطوعة الأيدي بصورة متعمدة، وجثامين تظهر عليها آثار عمليات جراحية مشبوهة.
أمام بوابة قسم الطب الشرعي، كانت ريم تقف تائهة في مشاعرها، فهي ستدخل بعد قليل للتعرف إلى جثمان شقيقها الذي كان محتجزاً لدى إسرائيل، عندما فتحت الأكياس البيضاء المكتوب عليها أرقام فقط من دون توضيح صاحب الرفات، سمح للسيدة بالدخول.
قضت ريم دقائق معدودة داخل قسم الطب الشرعي، ولما خرجت كانت مصدومة تقول بصوت منكسر “رأيت هيكلاً عظمياً غير مكتمل وبقايا عظام وجثامين متحللة، الجثث القليلة السليمة عليها آثار خياطة، يبدو أن إسرائيل تسرق أعضاء من الضحايا الغزيين الذين تحتجزهم حتى بعد موتهم”.
شبهات سرقة الأعضاء
قبل أيام، أرسلت السلطات الإسرائيلية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر جثمان 54 غزياً، و66 صندوقاً تضم رفاتاً وأشلاء وأعضاء بشرية، لتسليمها لوزارة الصحة من دون أن ترفق معها أي تقارير تشريح أو توثيق طبي.
ويبدو أن حديث ريم عن سرقة أعضاء من أجساد الضحايا واقعي، إذ عندما عاينت وزارة الصحة وطواقم الطب الشرعي والأدلة الجنائية الجثامين، تبين لديهم في نتائج الفحص الأولي والظاهري، حدوث تشويه متعمد في الرفات والأشلاء، مما عزز الشكوك حول سرقة أعضاء حيوية من جثامين الغزيين.
يقول مدير “مجمع الشفاء الطبي” محمد أبو سلمية، “في سابقة خطرة، تسلمنا بقايا أجساد الغزيين داخل صناديق، والأخطر من ذلك أن الانتهاكات لم تتوقف عند القتل، بل امتدت إلى ما بعد الموت، إذ رصدنا سرقة لأعضاء الضحايا”.
عناصر الدفاع المدني يعملون في 9 فبراير الحالي لانتشال جثامين أفراد عائلة تعرض منزلها في مدينة غزة لغارة إسرائيلية في ديسمبر 2023 (أ ب)
جماجم وعظام وأطراف مبتورة
داخل 66 صندوقاً، وجدت وزارة الصحة دلائل يمكن استخدامها لإثبات أن إسرائيل سرقت أعضاء من أجساد الضحايا الغزيين، وقال أبو سلمية “تضمنت جثثاً مبتورة الأطراف وأخرى مقطوعة الأيدي بصورة متعمدة وجثامين واضح عليها عمليات جراحية مشبوهة، فتحت بطونها وأعيدت خياطتها، وكان هناك جماجم فقط لضحايا من دون أجساد، هذه أدلة على بشاعة تعامل إسرائيل مع الرفات، وتعزز فرضية سرقة الأعضاء”.
وأوضح مدير “مجمع الشفاء الطبي” أن “داخل الأكياس التي أرسلتها إسرائيل إلى غزة، هناك 17 جثة مقطوعة الرأس، وفي بعض الجثامين بدت الجمجمة ظاهرة وقد نزعت عنها فروة الرأس، وكان هناك عظام بشرية ورفات متحللة”، وتابع “عدم وجود جثمان كامل يوحي بأن هناك سرقة أعضاء”.
وما يعزز الشكوك حول سرقة الأعضاء هو أن فحوصات أبو سلمية أظهرت وجود آثار قص بأدوات طبية على عدد من الجماجم، إلى جانب علامات لعمليات جراحية، وهناك من قطعت يده، وآخرون عقرت بطونهم وخيطت بخيوط جراحية طبية تدل على أنها خيطت داخل مستشفيات، وجثث فيها جروح لم تكن خطرة، مثل إصابات في الأرجل لا تؤدي إلى الوفاة.
وبحسب المتحدث باسم الأدلة الجنائية بغزة محمود عاشور، فقد لاحظوا سرقة قرنية العين وقوقعة الأذن والكبد والكلى والقلب والجلد وصمامات القلب والعظام، وكانت هناك جثث بلا عيون، وكان واضحاً على كثير من الجثامين أنها محشوة بالقطن بعد تفريغها من الأحشاء والأعضاء.
شهادات أشخاص
ليس الأطباء وحدهم من لاحظ سرقة الأعضاء، وإنما أهالي الضحايا يتساءلون أيضاً حول نهب أجزاء من أجساد ذويهم، وقالت ياسمين البرش، زوجة طبيب العظام الفلسطيني عدنان البرش، الذي اعتقله الجيش من غزة أثناء الحرب ومات في السجون إثر التعذيب، إن “جثمانه نقل فور وفاته إلى معهد أبو كبير للطب الشرعي في إسرائيل”.
وأضافت أن “معهد أبو كبير مركز إسرائيلي يستخدم لأغراض التشريح والأبحاث الجنائية، وهذا يعد دليلاً على العبث بالجثمان وانتهاك حرمته، لا أستبعد أنهم سرقوا هناك أعضاء من جثمان زوجي”.
تنفي إسرائيل الرسمية هذه الاتهامات بصورة قاطعة (أ ف ب)
أم ليث قتل ابنها في حرب غزة واحتجز الجيش الإسرائيلي جثمانه، ولما أعاده إلى القطاع لاحظت والدته آثار خياطة غير مبررة طبياً في مناطق حساسة من جسده، وأخبرها الأطباء أنه ربما تكون إسرائيل سرقت أجزاء حيوية منه.
طلبت أم ليث تقارير تشريح وتفسيرات رسمية توضح أسباب الخياطة على جسده، لكن إسرائيل لم تتجاوب معها، وتقول إن “طريقة الخياطة تعزز الشكوك حول احتمال نزع أعضاء من جسده”.
طلبات التشريح تلقى رفضاً
في الحقيقة، ما تتحدث عنه وزارة الصحة في غزة هي شبهات لم يتسن بعد التحقق منها بصورة قاطعة، إذ لا تتوفر أجهزة فحص وتشريح. ووسط تزايد تسليم إسرائيل جثثاً غزية متحللة أو مشتبه في سرقة أعضاء منها، يقف العاملون في الطب الشرعي عاجزين عن جزم هذا الموضوع، يقول الطبيب عماد شحادة “نعمل بصمت ثقيل وسط ظروف كارثية للتعرف إلى الجثث وتحديد إذا كانت كاملة أو هناك أعضاء ناقصة”، ويضيف “إسرائيل تمنع إدخال الأجهزة والمواد اللازمة لتشغيلها التي تقطع الشك باليقين سواء كان لفحص الشيفرة الوراثية أو لمعرفة الأعضاء الناقصة، مما يجعل العملية شبه مستحيلة، نقيس طول عظم الفخذ بمتر يدوي”.
طلبت وزارة الصحة في غزة من خلال وسطاء طبيين، التقارير والوثائق الطبية لتشريح جثث الغزيين الذين تسلمتهم طوال فترة الحرب، لكن إسرائيل رفضت التعاون، يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة “ترفض إسرائيل إرسال تقارير التشريح الطبية، لذلك نطلب فتح تحقيق دولي مستقل بهذا الخصوص”.
وقائع تشكل أساساً معقولاً للاشتباه
تستند الشبهات المثارة حول سرقة أعضاء من جثامين الغزيين إلى سلسلة وقائع متراكمة ومؤشرات تشكل أساساً معقولاً لذلك. ويقول رئيس اللجنة الخاصة باستقبال وانتشال جثامين القتلى، معين الوحيدي، إن “أول هذه المؤشرات يتمثل في سياسة احتجاز الجثامين التي تنتهجها إسرائيل منذ أعوام، وهي سياسة تحرم العائلات من حق الدفن السريع، وتمنع أي إشراف مستقل أو رقابة طبية محايدة على ما يجري للجثامين خلال فترات الاحتجاز الطويلة”، ويضيف “المؤشر الثاني يتعلق بنقل جثامين الضحايا إلى معاهد الطب الشرعي الإسرائيلية، من دون إذن أو إبلاغ العائلات، ومن دون تقديم تقارير تشريح رسمية أو تحديد أسباب واضحة لهذه الإجراءات، وهو ما يفتح الباب أمام الاشتباه بحدوث تدخلات طبية تتجاوز حدود الفحص الجنائي المعتاد”.
ويشير الوحيدي إلى أن المؤشر الثالث يتمثل في تسليم جثامين تحمل آثار خياطة غير مبررة طبياً أو علامات تدخل جراحي من دون أي تفسير أو مستندات طبية، ويضاف إلى ذلك غياب التقارير الطبية والتشريحية عند تسليم الجثامين، وحرمان العائلات من حق الاطلاع أو الاعتراض، في مخالفة واضحة للأعراف الطبية الدولية.
أقر مدير سابق لمعهد أبو كبير للطب الشرعي في إسرائيل باستخدام أعضاء بشرية وأنسجة وجلد من ضحايا فلسطينيين من دون علم أو موافقة ذويهم (أ ف ب)
موقع تشخيص جنائي ورقم قياسي في التبرع بالكلى
وفي وقت أعادت فيه إسرائيل الجثث المشتبه في أنه تمت سرقة أعضائها، نشر موقع Israeli Genocide Tracker (المتعقب الإسرائيلي للإبادة الجماعية) صورة للجيش الإسرائيلي أثناء حرب غزة، تظهر أن الجنود الذين شاركوا في الهجوم على منطقة مستشفى الإندونيسي، استولوا على مدرسة الكويت القريبة وحولوها إلى موقع للتشخيص الجنائي، وهناك سرقوا الأعضاء الحيوية على نطاق واسع لمئات المعتقلين الغزيين.
ومما عزز إمكان أن تكون إسرائيل سرقت أعضاء الغزيين، هو أن تل أبيب تقدمت بطلب رسمي إلى موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية لتسجيل رقم قياسي في التبرع بالكلى، وهذا ما اعتبره الفلسطينيون دليلاً على ذلك.
إلا أن موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية أوقفت أثناء الحرب على غزة، التعامل مع الطلبات المقدمة من إسرائيل، ورفضت تسجيل أرقام قياسية جديدة، كخطوة احتجاجية سياسية مرتبطة بالحرب على غزة.
لكن عندما انتهت الحرب ورفعت “غينيس” الحظر عن إسرائيل، تقدمت تل أبيب لتسجيل أكبر تجمع لمتبرعين بالكلى، بعدما أجرت 2000 عملية زراعة كلى، وبذلك تكون في الصدارة العالمية بعدما كانت تحتل المرتبة 28 عالمياً في التبرع بالأعضاء بحسب بيانات المرصد العالمي للتبرع وزراعة الأعضاء.
ووفق منظمة “متنات حاييم”، فإن عدد عمليات زرع الكلى بلغ 2030 عملية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل عام 2018 في الولايات المتحدة، الذي وثق 410 عمليات زراعة كلى متبرع بها.
هذا الإعلان، دفع وزارة الصحة في القطاع إلى الاعتقاد بأن هذا الحدث لا يمكن فصله عن واقع احتجاز وتسليم الجثامين الفلسطينية ناقصة الأعضاء.
وتساءل مدير عام وزارة الصحة في قطاع غزة، منير البرش، “من أين جاء هذا العدد الهائل من الكلى في إسرائيل، هناك شهادات موثقة عن جثامين غزيين أعيدت إلى القطاع ناقصة الأعضاء ومن بينها الكلى وكانت من دون تقارير تشريح”. وأضاف “لسنا ضد التبرع بالأعضاء لكن نرفض تحويل القيم الإنسانية إلى واجهة دعائية واستغلال الجسد الفلسطيني حياً أو ميتاً، غياب الشفافية يجعل من الشك حقاً ومن المساءلة واجباً، يجب فتح تحقيق دولي عاجل ومستقل لفحص الجثامين المحتجزة والمسلمة والتحقق من احتمالات العبث والتشويه وسرقة الأعضاء”.
ما ساعد وزارة الصحة للاعتقاد بأن زراعة الكلى في إسرائيل تتم على حساب أجساد الغزيين، أن وزارة الصحة الإسرائيلية أدرجت بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على موقعها الإلكتروني المستشفيات المجهزة بوحدات زراعة الأعضاء.
كذلك أظهرت بيانات “غوغل تريندز” أن عمليات البحث عن مصطلحات “الكلى في إسرائيل” وعن مستشفيات مثل مركز شيبا الطبي ومركز سوروكا الطبي ومجمع رامبام الصحي، قد ارتفعت بصورة كبيرة بعد بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، إذ كانت عمليات البحث صفراً قبل الحرب، لكن أثناء القتال زادت إلى 100.



