
#جامعة_اليرموك بين #الأصالة و #الاستحقاق: الرئاسة القادمة مسؤولية وطنية
بقلم: أ.د. محمد تركي بني سلامة
جامعة اليرموك، هذا الصرح الأكاديمي العريق، لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية فحسب، بل كانت وما تزال مصنعاً للكفاءات ورافداً أساسياً لإعداد القيادات التي خدمت الدولة الأردنية في مختلف مواقع المسؤولية. ومن هنا، فإن أي نقاش يتعلق برئاستها القادمة لا يُمكن أن يكون شأناً داخلياً عابراً، بل هو قضية رأي عام وطني وأكاديمي تتعلق بمستقبل الجامعة ومكانتها وهيبتها.
لقد بات من الضروري اليوم أن نؤكد على مطلب جوهري وأساسي، وهو الإعلان عن أسماء المرشحين الخمسة لرئاسة جامعة اليرموك والمعايير التي جرى اعتمادها في اختيارهم. إن الشفافية هنا ليست ترفاً ولا خياراً ثانوياً، بل هي حجر الزاوية في بناء الثقة، وضمان أن عملية الاختيار تسير وفق أسس واضحة لا لبس فيها.
إن التجارب السابقة قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن استقدام رؤساء من خارج أسرة الجامعة لم يكن الخيار الأمثل، بل جاءت النتائج أقل من مستوى الطموح. فالرئيس الذي لا يعيش تفاصيل الجامعة ولا يعرف نبض أساتذتها وطلبتها ولا يعي خصوصية بيئتها الأكاديمية والاجتماعية، يظل غريباً عنها مهما كان سجله العلمي أو الإداري. لذلك فإن الرئيس القادم يجب أن يكون من أبناء الجامعة، ممن خبروا مسيرتها وعاشوا تحدياتها وشاركوا في إنجازاتها.
وهنا لا بد من التذكير بأن جامعة اليرموك هي ثاني أقدم جامعة في الأردن، وأنها عبر مسيرتها المديدة لم تكتفِ بتخريج آلاف الكفاءات فحسب، بل صدّرت رؤساء لجامعات أردنية أخرى أثبتوا كفاءتهم ونجاحهم وحققوا إنجازات مشهودة. فكيف يُقال إن هذه الجامعة العريقة عاجزة عن إنجاب رئيس لها من أبنائها؟! وهل يُعقل أن جامعات نشأت بعدها أو خرجت من رحمها ترفض القبول برؤساء من خارجها، بينما تُعامل اليرموك وكأنها استثناء؟! أليس في ذلك تجسيد للمثل القائل: “حُرِّم على بلابله الدوح وحُلل للطير من كل جنس”؟!
لكن، وللإنصاف، فإن الانتماء للجامعة وحده لا يكفي، ما لم يُدعَم بمعايير راسخة وواضحة. وهنا أجد لزاماً التأكيد على أن معايير الجدارة والاستحقاق والعدالة والشفافية هي التي يجب أن تحكم عملية اختيار القيادات الجامعية. فالجامعة ليست مجالاً للتجاذبات الضيقة ولا حلبة لتصفية الحسابات أو تمرير الأجندات. إننا بحاجة إلى رئيس يقودها بروح المصلحة العامة، لا إلى شخص يصل الكرسي عبر الواسطة والمحسوبية أو بدفع الأجندات الخفية أو استثمار الانقسامات المناطقية والعشائرية.
إن جامعة اليرموك ليست مجرد بنايات وقاعات، بل هي ذاكرة وطنية وهوية أكاديمية صنعتها أجيال من الأساتذة والطلبة والإداريين. ومن الظلم أن يُختزل مستقبلها في لعبة كواليس أو ترتيبات غير معلنة. إن كل طالب وأستاذ وموظف في هذه الجامعة له الحق في أن يعرف كيف يُدار ملف اختيار الرئيس، ومن هم المرشحون، وعلى أي أسس يتم التقييم والمفاضلة.
إن الشفافية الكاملة في هذا الملف هي الضمانة الوحيدة لأن لا يتحول المنصب الأكاديمي الأعلى في الجامعة إلى جائزة ترضية أو غنيمة سياسية أو اجتماعية. وعلى صانع القرار أن يدرك أن حماية المؤسسات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها الجامعات، تبدأ من تحصينها ضد أي محاولات للعبث أو التلاعب.
لقد أثبتت جامعة اليرموك عبر تاريخها أنها ليست مؤسسة محلية فحسب، بل مشروع وطني بامتياز. فهي التي رفدت الدولة الأردنية بالعلماء والباحثين ورجال الإدارة والسياسة والفكر والثقافة. ومن حقها علينا أن نصون مكانتها وهيبتها بأن نُحسن اختيار قيادتها القادمة، لا بالاعتبارات الشخصية أو الفئوية، وإنما بمعايير الكفاءة والقدرة على حمل الرسالة الأكاديمية وتطويرها.
إن مستقبل الجامعة، بل مستقبل التعليم العالي في الأردن، مرهون بقدرتنا على تجاوز منطق الواسطة والمحسوبية إلى منطق الجدارة والاستحقاق. وعلينا أن نكون على يقين أن أي انحراف عن هذه المعايير لن ينعكس سلباً على الجامعة وحدها، بل سيمتد أثره إلى المجتمع والدولة بأسرها.
من هنا فإننا نُجدد مطلبنا بوضوح: أعلنوا أسماء المرشحين الخمسة لرئاسة جامعة اليرموك، وأعلنوا المعايير التي استُخدمت في اختيارهم، ودعوا أبناء الجامعة وأهل الرأي العام يحكمون بأنفسهم على نزاهة وعدالة العملية. فاليرموك أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعظم من كل أجندة.