
توقعاتٌ لا تُخطئ للمناصب… وتُخطئ دائمًا عند #حقوق_الأردنيين
#معاذ_الشناق
قبل كل حديثٍ عن #البطالة أو المطر أو البنية التحتية، لا بد من التوقف عند نوعٍ آخر من “التوقعات” التي لا تخطئ أبدًا: توقعات #المناصب و #المكاسب. فهنا، لا توجد مفاجآت ولا “ظروف طارئة” ولا أرقام مربكة. التوقعات محسومة سلفًا، ومبنية على المصالح، ومحجوزة ضمن دوائر ضيقة تشمل الأبناء والعائلات والمقرّبين، وكأنها حقّ مكتسب لا يخضع للمنافسة ولا للمساءلة. هذه التوقعات لا تتأثر بالأزمات الاقتصادية، ولا تتبدل بتغير الحكومات، ولا تتأخر كما تتأخر حقوق المواطنين، بل تتحقق بدقة لافتة، وكأن الدولة تعرف جيدًا كيف تضمن المكاسب لقلة، لكنها تتعثر في كل مرة حين يتعلق الأمر بحقوق الأغلبية.
في كل موسمٍ تقريبًا، تتكرر العبارة ذاتها بوجوه مختلفة: «فاقت التوقعات». مرةً في البطالة: أرقام “مطمئنة” وتصريحات “مبشّرة”، ومرةً في المطر: “موسم مطري ممتاز” حتى لو بقيت الأحياء عطشى والخزانات خاوية، ومرةً في البنية التحتية: “مشاريع نوعية” بينما الحفر تُربّي أجيالًا، والازدحام يُنقِص أعمارًا، والخدمات تُدار بالحد الأدنى.
المفارقة ليست في الكلمات وحدها، بل في الفجوة العميقة بين توقعات المسؤولين وتوقعات المواطنين. المواطن ينتظر حقًا بسيطًا: عملًا كريمًا، وخدمة محترمة، وعدالة في الفرص، ومدينة لا تُعاقِب ساكنيها على كونهم مواطنين. أما المسؤول، فتبدو توقعاته مُحكمة الصنع: أن تمر التصريحات بسلام، وأن يُستبدل السؤال بالتصفيق، وأن يتحول الواقع إلى “مؤشرات”، والمعاناة إلى “تحديات”، والحق إلى “أولوية قيد الدراسة”.
نسمع عن خطط “تخفيض البطالة”، لكن الناس تعيش البطالة كتجربة يومية لا كعنوان صحفي. نسمع عن “تحفيز الاستثمار”، لكن كثيرًا من الشباب لا يجدون حتى فرصة تدريب عادلة دون واسطة أو “توصية”. نسمع عن “حزم دعم”، ثم نكتشف أنها دعمٌ للخطاب أكثر مما هي دعمٌ للجيب، تُسعف لغة المؤتمرات ولا تُسعف فاتورة البيت.
وفي المطر—وهو الامتحان السنوي الأشهر—لا نحتاج إلى نشرات مطوّلة لتفسير ما تراه العيون. فالبنية التحتية ليست بيانًا صحفيًا؛ هي شارعٌ لا يغرق، ومصرفٌ لا يختنق، ومدرسةٌ لا تتحول إلى بركة، وقريةٌ لا تنتظر صهريجًا في دولةٍ تعرف فصولها جيدًا. وإذا كان المطر قد “فاق التوقعات”، فهل تُفاجَأ دولة بالمطر في بلادٍ تعرف مناخها؟ أم أن المفاجأة الحقيقية تكمن في ضعف الاستعداد وغياب المحاسبة؟
الأصعب أن بعض التصريحات تُصاغ وكأنها تُحمّل المواطن مسؤولية انتظاره. كأن حقه في العيش الكريم “توقعات عالية”، بينما ارتفاع الامتيازات، وتدوير المناصب، واتساع نفوذ “الشِّلل”، يأتي دائمًا ضمن التوقعات—ليس صدفةً، بل نمطًا يراه الناس في التعيينات، وفي العقود، وفي فرصٍ تُفتح لأسماءٍ بعينها وتُغلق في وجه الكفاءة قبل أن تُمنح فرصة واحدة عادلة.
هنا يصبح السؤال الوطني الملح: متى يدخل الأردني في معادلة التوقعات؟
متى تصبح كرامته هدفًا مُلزِمًا لا خطابًا مُجمِّلًا؟
متى تكون الوظيفة حقًا للكفاءة لا للمحسوبية؟
ومتى تُدار الدولة بعقلية الخدمة العامة لا بعقلية المكسب الخاص؟
الطريق ليس لغزًا. هو قواعد واضحة تُقاس بآثارها في حياة الناس:
صدقٌ في القول قبل تجميل الأرقام، فالبطالة ليست مؤشرًا بل بيوتًا تنتظر.
ومساءلة قبل الاحتفال، لأن ما “فاق التوقعات” يجب أن يُسأل عنه: من قصّر ولماذا؟
وعدالة في الفرص، لأن وظيفة تُمنح بغير حق تُطفئ ثقة مئات الشباب.
ووضع المواطن في قلب القرار والموازنة، بحيث تُقاس السياسات بكلفة المعيشة، وجودة الخدمة، والأمان الوظيفي، لا بحجم الشعارات.
الوطنية ليست تصفيقًا لكل تصريح، بل محبةٌ كافية لرفض خداع الوطن. أن نرفع سقف الحق لا سقف المجاملة، وأن ندرك أن كرامة الناس ليست بندًا ثانويًا؛ بل هي أساس الاستقرار ومعنى الدولة. لا نريد “توقعات” تفوق الواقع في البيانات، بل نريد واقعًا يفوق التوقعات في المدارس الحكومية، والمستشفيات، وفرص العمل، والنقل، والأحياء التي تستحق أن تعيش بلا خوف من شتاءٍ أو صيفٍ أو فاتورةٍ لا ترحم.
الأردنيون لا يطلبون المستحيل. يطلبون أن تكون الدولة كما وُعِدوا: دولة حق وقانون، ودولة خدمة وعدالة، ودولة تكافؤ فرص. أن يشعر المواطن أن منصبه الوحيد—مواطن—يكفيه لينال حقه، دون واسطة ولا أبواب خلفية.
وفي الخلاصة، ليست المشكلة أن تكون توقعات المسؤولين متفائلة، بل أن تكون حقوق الأردنيين مضمونة. فالدولة التي تُتقن إدارة المكاسب لقلة، قادرة—إن أرادت—على إدارة العدالة للأغلبية. وقد آن الأوان ليكون العيش الكريم ضمن التوقعات، لا خارجها.



