تزييف التاريخ

#تزييف_التاريخ

د. #هاشم_غرايبه

كثيرا ما يتشكى بعض من يطلقون على أنفسهم صفة “خبراء تربويين”، من أن مناهجنا التربوية هي المسؤولة عن تخلفنا عن الغرب المتقدم، وذلك لأنها تلقينية بينما هي في الغرب تحليلية.
هذا التباكي كاذب، لأنهم يقصدون أن ثقافتنا الإسلامية هي المسؤولة عن ذلك، وأن الحل في قطع الصلة بها، لكن المأساة أنهم هم ذاتهم من رسخ التلقين، فهم سعوا لذلك بهدف حشو عقول التلاميذ بمعلومات معلبة مستوردة من الغرب، منعتهم “عقدة الخواجا” من مراجعة منتجهم، فهم مبهورون بثقافة الأوروبيين ومعجبون بما وصلوا إليه من تقدم، لذلك أخذوها كما وردت من المصدر، من غير تمحيص للمحتوى، ولا معايرة مع المنطق.
مخطيء من يظن أن المستعمرين الأوروبيين قد خرجوا من أرضنا، فهم تركوا فينا أذنابهم، كأدوات خبيثة لغسل أدمغة الأجيال الناشئة، بإخفاء الصفحات المضيئة في تاريخنا والتركيز على المآسي مثل معركة الجمل وصفين والتحكيم وكربلاء، بهدف إضعاف الإعتزاز بعقيدتنا، وإشاعة الإحباط لترسيخ عقدة التبعية والدونية للأوروبيين.
كلنا درسنا في المدرسة عن الثورة الصناعية وعن عصر النهضة والإكتشافات الجغرافية التي تمخضت عن توسيع رقعة العالم، كل ذلك لقنونا إياه على أنه هو التقدم والحضارة، وأنها الإنجازات الوحيدة التي نفعت البشرية، وذلك للتقليل من شأن الحضارة الاسلامية وتقزيم انجازاتها.
رب رمية من غير رامٍ، فثورة الإتصالات التي صنعوها كانت بهدف إيصال الدعايات لمنتجاتهم الى كل الناس، لم تبق أحد جاهلا بما يحدث، فتحررت العقول من الأوهام المصنوعة وكشفت الحقائق.
فعرفنا أن الثورة الصناعية لم تكن لنفع البشرية بالاختراعات المفيدة، كما لقنونا في المدارس، بقدر ما هي استجابة لأطماع أصحاب رؤوس الأموال الذين تحولوا من الإقطاعية الزراعية باستغلال الفلاحين، الى الصناعية باستغلال العمال، فالمكننة تطورت لتخفيف كلف الأيدي العاملة، والإختراعات تسارعت لتوسيع قاعدة المستهلكين، والبحوث الطبية كانت لتسويق الأدوية واللقاحات.
أما عصر النهضة فسمي كذلك لأنه حقق تسيد الأوروبيين وتعاظم قوتهم، لكنه عصر نقمة على غيرهم لما نالهم من استعمار ونهب وتأخير تقدمهم.
أما الإستكشافات الجغرافية فلم تكن لنشر الحضارة بين الشعوب الأقل تقدما، بل لاستعمار بلادهم واستعبادهم ثم إبادتهم من أجل الإستيلاء على أراضيهم وخيراتها.
لقد اعتبروا “ماجلان” مستكشفا علميا، لكنه لم يكن أكثر من مغامر يبحث عن طريق بديل للهند من أجل تجارة التوابل، وفي طريقه كان يقتل ويسلب من يصادفه.
وكذلك كان “فاسكودي جاما” الذي علمونا أنه له فضلا على العالم باكتشافه رأس الرجاء الصالح، لكنه كان مستعمرا وسفاحا صليبيا يقتل الحجاج المسلمين ويدمر المدن الساحلية.
لكن الأوروبيين زوروا الحقائق، وكتبوا التاريخ حسب هواهم، وسرقوا منجزات الشعوب الأخرى ونسبوها لأنفسهم.
وبدأت تنكشف الأباطيل، فقد تبين وباعتراف القلة المنصفة منهم أن “هارفي” ليس مكتشف الدورة الدموية بل “ابن النفيس”، وأن “كوبرنيكس” ليس هو مكتشف كروية الأرض بل “ابن الشاطر الدمشقي” قبله بأربعة قرون، وأن مكتشف القارة القطبية الجنوبية ليس “جون ديفيس” عام 1821 بل هو البحار العثماني “محيي الدين بيري” البحار التركي في زمن سليمان القانوني عام 1500، والذي كان مشهورا ببراعته في رسم الخرائط، فجاب المحيطات لرسم خرائط للسواحل، ووصل أمريكا، ثم كان أن وصل الى القارة المتجمدة الجنوبية ورسم خارطة لها ولكل القارات، وما زالت خارطته الى اليوم لا تختلف في شيء عن الخرائط الحديثة.
كما ثبت أن مكتشف أمريكا ليس “كريستوفر كولومبوس” كما لقنونا بالمدارس، بل “الخشخاش بن الأسود”، الأندلسي المسلم، هو أول من وصل الى الأمريكتين عام 889 م ونزل في سواحل البرازيل، وذلك قبل “كولمبوس” بستة قرون!، وقد وردت هذه المعلومة في كتاب “مروج الذهب” للمسعودي، وقد كتب عنها وسماها الأرض المجهولة، بينما رسم “الإدريسي” خريطة لها وسماها “الأرض الكبيرة”.
ولهذا قامت بلدية “لوس أنجلوس” الأمريكية بإزالة تمثال “كولومبوس”، بعد ثبوت كذب ادعائه، وأنه مجرد قرصان كان يتاجر بالعبيد، فيحضر سكان أمريكا الأصليين ويبيعهم للأوروبيين، كما أن هنالك مطالبات في البرلمان الكاتالوني لإزالة تمثاله من “برشلونه”.
قد يعلو الباطل، لكن مؤقتا، وقد تنطلي الخديعة على كثيرين.. لكنها يوما ما تنكشف.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى