تحت الضوء

تحت الضوء

د. هاشم غرايبه

يعتبر يوم غد حاسما بالنسبة للرئيس ترامب، حيث سيعقد فيه لقاء مع كبار جنرالات الينتاغون، الذين انتقلوا من مرحل النصح الى مرحلة التحذير من عواقب مغامرة الرئيس المتمثلة بشنه الحرب على إيران، بعد مرور أسبوع من غير أن تظهر علامة واحدة على قرب تحقيق أهدافه المعلنة، وهي استسلام ايران بلا قيد أو شرط متضمنا ذلك سقوط النظام.
ما يقلق البنتاغون أصلا هو قرب نضوب المخزون الاستراتيجي من الأسلحة المتقدمة، التي استخدمتها بكثافة خلال الأسبوع المنصرم توقعا بتحقيق نتيجة سريعة خلال أربعة أيام خاصة بعد نجاح اغتيال كبار القادة في الضربة الأولى.
لكن يبدو أن التقديرات الاستخبارية لصمود ايران وتجاوزها الصدمة الأولى لم تكن دقيقة، أو أن ترامب ذا الطبيعة المغامرة فضل المقامرة، آملا أن فائض القوة الهائل سيشكل احباطا للإيرانيين مما سيدفعهم للإستسلام كما حدث مع اليابان عام 1945 ، لكن يبدو أنه أساء التقدير، فإيران رغم أن قوتها العسكرية أقل بكثير مما كانت عليه اليابان في الحرب العالمية الثانية، إلا أنها تتميز عنها بوجود العقيدة الدينية التي لا تسمح بالاستسلام مهما كانت الأحوال، إضافة الى أن القيادة الايرانية تعلمت من المواجهات الطويلة دروسا هامة، ومن أهمها الاعداد والتهيؤ لصراع طويل لا يقاس بأيام وشهور، بل بسنين عديدة، فأسست لقاعدة تصنيعية يمكنها تعويض الخسائر بكفاءة وسرعة، كما رتبت علاقاتها التجارية (رغم الحصار الخانق) مع الدول ذات المصلحة كالصين وروسيا، بحيث تضمن ديمومة تدفق التقنيات العسكرية المتقدمة والمعلومات الاستخبارية.
في المواجهة الأولى التي دامت 12 يوما، استهلكت الولايات المتحدة ربع مخزونها من صواريخ التوماهوك، وهي السلاح الاستراتيجي الأول في ترسانتها العسكرية، والأمر الذي أقلق البنتاجون أنه قد تم استهلاك عدد كبير منها في الضربات المكثفة الأولى الآن، مما استوجب سحب الكثير من مخزون القوات المعسكرة في المحيط الهادئ الذي تدخره للمواجهة مع الصين، والتي هي وكوريا الشمالية تنتظران الفرصة الملائمة لتحقيق طموحاتهما بمهاجمة حلفاء أمريكا (اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية )، وبالتالي انهاء الوجود الأمريكي في منطقة الهادي والسيطرة على كامل جنوب شرق آسيا، لأن القدرات التصنيعية لشركة “ريثيون” الموردة لهذه الصواريخ لم يمكنها تعويض النقص رغم طلب 300 مليار جديدة من الكونجرس.
لقد تبين أن ايران تدرك ذلك، لذلك فقد اتبعت سياسة النفس الطويل في استخدام صواريخها لضرب الكيان اللقيط والقواعد الأمريكية في الدول الخليجية، فهي تطلق أعدادا قليلة على أوقات متفرقة من اليوم من صواريخ لا تزيد تكلفة الواحد عن عشرين ألف دولار، ومقابل كل صاروخ هنالك ما لا يقل عن عشرة صواريخ تتصدى له أقلها كلفة “الباريوت” كلفته مليون دولار، ونسبة نجاحها باسقاطه لا تتجاوز 75 % في أفضل الأحوال.
من هذه المعادلة المختلة يلاحظ جنرالات البنتاجون كم هي عبثية هذه الحرب، حيث معروف أن الضربات الجوية لن تحسم الحرب، واللجوء الى التدخل البري الذي هو وحده ما يحسمها مستبعد لمخاطره الكثيرة التي لا تتوقف على اشعال حرب عالمية، بل أهمها معارضة الشعب الأمريكي لها بعد أن اكتوى بحروب فيتنام وافغانستان والعراق، والتي لم تحقق ما كان مأمولا، واضطرت القوات الأمريكية الى الانسحاب بعد انهاك مذمومة مدحورة، لذلك لن يتقبل المجتمع ألمريكي مغامرات جديدة، خاصة مع أوضاعه الاقتصادية المتراجعه.
وإذا ما أضفنا الى ما سبق العامل الضاغط على ترامب شخصيا، وهو صناديق الاقتراع، واقتراب الانتخابات النصفية، فسنلاحظ أنه بات في مأزق الآن، ولما لا يمكنه الهروب الى الأمام بتوسيع رقعة المعركة والانزال البري، فليس أمامه الا سبيل انهاء الحرب مكتفيا بما عرضته إيران عليه منذ البداية بوضع منشآتها النووية تحت رقابته، حماية لماء وجهه يعلن بذلك أنه حقق المراد.
القاعدة الاستراتيجية أن القوى الكبرى لا تهزم بالمواجهات العسكرية بل بالفشل في تحقيق الأهداف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى