
تأملات قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 57 من سورة القصص: ” أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ”.
اعتقد المفسرون الأوائل أن المخاطبون في هذه الآية هم قريش، كونهم هم مجاوروا الحرم، لكن الأغلب أنهم كل قاطني الجزيرة العربية، بدليل قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً” [التوبة:123]، وعلل تعالى ذلك بقوله: “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ” [الأنفال:39]، أي يستتب الأمر لدين الله في الجزيرة، ومن هذا فهم رسول الله أن ذلك لكي تبقى تلك المنطقة موئل الدعوة، ومنطلقا لها الى كافة بقاع الأرض، فقال لا يجتمع في الجزيرة دينان، ولما أنه لم يتمكن من استكمال تطهير كامل الجزيرة العربية في حياته، فقد أوصى المسلمين بإنجاز هذا الأمر، ونفذ خلفاؤه الراشدون ذلك، وظل جميع حكام الدولة الإسلامية ملتزمين بإبقاء الجزيرة طاهرة من الشرك والكفرالى ما فبل قرن، حيث بدأ الاختراق بحجة التسامح الديني ودعم السياحة.
ولأن الله يعلم ضعف بعض النفوس أمام المال، حيث أن زيارة الكفار والمشركين المسجد الحرام تحقق دخلا كبيرا، لذلك طمأنهم الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ” [التوبة:28]، وفعلا حقق الله وعده، فليس هنالك بقعة في الأرض تضارع هذه البقعة المقدسة، فهي أكثر بقاع الأرض أمانا، ولم يقربها غاز أو محتل، من بعد ابرهة الأشرم، الغازي الوحيد الذي حاول لكن الله قصمه، ومن حيث الأرزاق فقد هيأ الله لأهلها دخلا دائما، فهنالك الملايين من الحجاج والمعتمرين يؤمون المسجد الحرام، من كل أرجاء العالم، ولا ينقطعون عن زيارته طوال الوقت، محققين ازدهارا تجاريا فريدا، ويستوجب توريدا لكل ثمار الأرض مما لا تنتجه أرض الجزيرة، كما أودع في باطنها من الثروات ما يكفي الأمة بأسرها، واختصها بأكبر مخزون من مصادر الطاقة، لكي تتمكن من بناء قوتها التي ترهب أعداء الله وأعداءها، وتحمي ديار الأمة من الطامعين.
كل ذلك منحه الله لأهل مهد الرسالة وموئل الدعوة، شريطة أن يوفوا بحق الله عليهم، وهو الإيمان به وطاعته.
لذلك رأينا كيف أنهم حينما خالف ولاة أمورهم أمر الله، فوالوا أعداءه خوفا على كراسيهم، ولتقديمهم طاعة القوة العظمى المعادية لمنهج الله على طاعة الله، أدخلوا المشركين بلادهم، وسمحوا باقامة المعابد الشركية وأماكن اللهو والمجون في ديار أرادها الله أن تبقى طاهرة، ومنحوا أعداء الاسلام قواعد عسكرية في بلادهم، تنطلق منها طائراتهم وسفنهم لتعتدي على ديار المسلمين، في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، إزاء كل ذلك بدل الله أمنهم خوفا، ونزع البركة من الأرزاق الوفيرة، فضاعت الثروات الطائلة بأيدي الفاسدين من الداخل، والناهبين الدوليين من الخارج.
كل ذلك بينه الله تعالى في قوله: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ” [الأنفال:36].
فرأينا كم أنفقوا لتمويل حرب الاحتواء المزدوج بين العراق وايران، ثم في الحرب على العراق، ثم على تجنيد المتطرفين لتبريرالحملة الصليبية المسماة الحرب على الارهاب، ثم لمنع اقامة منهج الله باجهاض الثورات العربية.
ونرى الأن في الحرب العدوانية على إيران، كيف تتبخر المليارات يوميا في الصواريخ الاعتراضية، والخسارة الأعظم ستكون عندما يتسلموا فاتورة الحساب بعد ان تضع الحرب أوزارها من غير أن تحقق لهم ما أرادوه، عندها يتكون الندامة الكبرى، بخسارتهم لكل أرصدتهم، وهذا هو عناه رب العزة بقوله “فَسَيُنفِقُونَهَا”، أي ستضيع كل الثروة، ويتلو ذلك “ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً” وفوق تلك الخسارة الهائلة: “ثُمَّ يُغْلَبُونَ”.
