تأملات قرآنية

#تأملات_قرآنية

د. #هاشم_غرايبه

يقول تعالى في الآية 20 من سورة الشورى: “مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ”.
تبين لنا هذه الآية السنة الإلهية الرئيسة في ربط مصير الانسان بمحصلة أعماله، وتُعرفنا على العدالة والحكمة المطلقة التي تحكم خلق الانسان وسبب خلقه ومآلاته.
منذ القدم كان أهم سؤال أرق الفلاسفة والحكماء عندما اكتشفوا الطبيعة المتميزة للإنسان عن باقي المخلوقات هو: كيف ولماذا وجد الانسان، وهل يعقل أنه مثلها يولد ويعيش ويموت بلا هدف ولا رسالة يؤديها، ولا بصمة يتركها بعد موته.
أنزل الله هديه ليعطيهم الإجابة، وضمنها في كتابه الخالد أبد الدهر ليتأمله أولو الألباب، ويفهموا سنن الله في خلقه.
منه عرفنا الحكمة من خلقه تعالى المخلوقات الثلاث: الملائكة والبشر والكائنات الأخرى الحيوانية والنباتية، فلكل منها دور ووظيفة.
الملائكة رسله وجنوده الذين ينفذون أوامره ويسيّرون الكون حسب السنن (القوانين الطبيعية) التي وضعها، ووفق ما قضى به في اللوح المحفوظ، لذلك فقد خلقهم بصلاح مطلق، ومفطورين على الطاعة، بلا خيار للمعصية أو للخطا في الأداء.
البشر أرادهم خلفاء له في الأرض، أي أعطاهم الوصاية على باقي مخلوقاته فيها، وهي التي سماها تعالى الأمانة: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ” [الأحزاب:72]، لذلك من المنطقي أن يخلقهم متميزين بقدرات عقلية هائلة، حتى يحسنوا التدبير، وحتى يتعرفوا على الخالق بها من غير ادراكهم له بحواسهم.
ومقابل حسن أداء الأمانة والاستخدام الصحيح للعقل، فقد وعدهم بمكافأتهم بحياة أخرى أبدية، يتمتعون فيها بنعيم لا يزول.
وللتمييز بين المحسن والمسيء، فقد خلقهم ممتلكين لارادتهم بطاعته أو معصيته، بأن ألهم كل نفس فجورها وتقواها، وأتاح لها الخيار في الاختيار بين الحالين.
ولهذا خلق الله يوم الحساب، حدا فاصلا بين الحياتين، لمحاسبة البشر على محصلة أعمالهم في الحياة الأولى، وبناء عليها يكون مصيرهم في الحياة الثانية.
أما الكائنات الحية الأخرى، فقد خلقها جميعا، لوظائف متعددة، لكل منها دور محدد يؤديه ولا يحيد عنه، وجميعها لخدمة الإنسان: “وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ” [الجاثية:13].
ولعدالته جل وعلا أراد أن ينال الإنسان أحد المصيرين اللذين لا ثالث لهما، عن جدارة واستحقاق، فأوجد في الدار الدنيا مغريات تتمثل بالشهوات والملذات لتغري ضعاف النفوس بالمعصية، ولكي يكشف ذلك عن مدى تقوى الانسان، بتغليبه خوفه من معصية الله على دوافع نفسه الشهوية، ومن ينجح بهذا الاختبار يكون مستحقا لثواب الله الأخروي.
هذه الآية تجيء كمنارة للنفوس التائهة، ومبشرة للمتقين، فالعمل الصالح الذي يقصد به المرء رضوان الله، يقابله الله بكرم أكبر، فلكي يعظم كفة الأعمال الصالحة، لا يجزي الله به بمقداره فقط، بل يضاعف أجره أضعافا كثيرة، يقدرها بمقدار الجدوى والنفع الذي حققه ذلك العمل، لذات المرء وللآخرين.
وهذا يفسر لنا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخر في مرة عن الصلاة فأمّ المصلين أبو بكر، ولما رجع بيّن أن سبب تأخره أنه كان يسعى في حاجة شخص، وبذلك كان فحوى الحديث الشريف: “لأن يمشي أحدكم في حاجة أخيه خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا”.
كما تبين هذه الآية لماذا ينال غير المؤمنين بالله ولا باليوم الآخر، نجاحا في الدنيا ومجدا وتقدما قد يفوق ما يناله المؤمنون فيها، فالله يعطي لكل مجتهد نصيب، سواء كان مؤمنا أو كافرا، لكن لا يعني أن ما أعطاه للكافر هو دلالة على التوفيق والرضا، بل هو تحقيق للسنة الكونية بأن النتائج تبنى عل المقدمات.
إلا أن ذلك في جميع الأحوال ليس مكافأة، بل قد يكون شرا أريد بالعاصي بالإمداد له حتى يفرح بما أوتي، فيوغل في المعصية، ويحرم نفسه من رحمة الله بالمغفرة، فيلقى سوء المصير في الحياة الأخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى