تأملات رمضانية

تأملات رمضانية

د. هاشم غرايبه
يدخل الإنسان هذه الدنيا بصراخ ويخرج منها بعويل ونحيب، فهو يولد باكيا، وكل من حوله فرحون يتلقون التهاني، ويموت صامتا وكل من حوله حزينون يتلقون التعازي، وبين هاتين المحطتين الكثير من المعاناة والمكابدة، يتخللها قليل من الأحداث المفرحة والنجاحات بإنجازات مميزة، مما يعوض التعب وينسي المعاناة، فتدخل البهجة الى النفس.
هذه هي حياة الإنسان بتوصيف مختصر: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ” [البلد:4] .
فهل يعقل أن هذا الإنسان ذو القوة والجبروت، الذي ملك الكثير لكنه تركه جميعا، وتحكم بكل ما حوله، فغيّر وبدل، وابتكر وأنجز، لكنه لم يستطع أن يغير في بدء الحياة ولا أن يؤجل منتهاها، دخلها عاريا ملفوفا بقماشة بيضاء، وخرج منها كما دخلها عاريا ملفوفا بقماشة بيضاء أيضا…هذا شخص عاش في صلاح فقدم الخير ونفع نفسه وغيره، وآخر استأثر بالخير لنفسه، فظلم غيره وأضر بمعايشهم وأرزاقهم، هل يعقل أن ينتهي هذا وذاك الى العدم متساويين في مآلهما؟، وهل من العدل أن لا يلقى كلا منهما جزاءه؟.
جاء الجواب من الخالق واضحا قاطعا: ” فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ” [الحجر:92].
يلجأ البعض الى تبرير أكلهم أموال الناس باطلا أو ظلمهم لهم أوتقاعسهم عن أداء واجبات العبادة، بالقول: هل ان الخالق العظيم الذي تحيط قدرته وعلمه بهذا الكون الشاسع، يهتم بمراقبة البشر القاطنين على هذا الكوكب الذي لا يزيد حجمه عن نقطة ضئيلة بالنسبة الى الأفلاك المترامية الأطراف؟
نحن لا نعلم كل مخلوقات الله أنواعا وأعدادا، لكننا نعرف أن البشر لم يخلقهم عبثا، فمقابل ما أكرمهم به، رتب عليهم واجبات، لذلك يهتم بأدائهم واجبهم من عدمه، وهو يعلم الأفعال المعلنة ويعلم السر وأخفى، السر هو ما كان خافيا على الجميع ومعلوما لاثنين فقط، والأخفى هو الخاطر بالنية الذي لا يعلمه إلا صاحبه.
قبل اختراع الهواتف الذكية، لم يكن أحد يتصور كيف يمكن تسجيل أفعال المرء وأقواله، لكن يستوعب ذلك الآن عندما يجد أن هذا الهاتف يتنصت عليه ويعرف مكانه بالضبط، ويسجل كل ما يقوله ومع من تحدث.
فإذا كان البشر تمكن من صنع هذه الرقاقة الصغيرة وعليها كل المعلومات الدقيقة، فهل يعجز ذلك خالق البشر؟.
طالما الأمر كذلك، وجب الحذر وإعداد العدة ليوم الحساب، فالأمر جد خطير.
الوصفة الناجحة للنجاة موجودة في كتاب الله: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى” [الليل:5-10].
هكذا فالأمر واضح، اختيار بين منهجين، الأول منجي وهو التصديق بأنه لا إله إلا الله، والعمل بمقتضاها، والآخر هو المهلك وهو التكذيب بها.
التصديق بالحسنى لا يكون باللسان فقط، بل يثبته فعلان متلازمان: العطاء ( نفع الآخرين)، والتقوى (اتباع أوامر الله وتجنب نواهيه).
بالمقابل فإن من العلامات الدالة على التكذيب بألوهية الله وحده، هي الأعمال التي تدل على الإستهانة بتحقيق متطلباتها، والمتمثلة بالفعلين المتلازمين: ” مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى”، أي أنه لم ينفق مما أعطاه الله، فحبس خيره عن غيره، واعتقد أنه بما حازه ليس بحاجة الى نعم الله ولا رحمته.
هكذا ينقسم الناس الى صنفين : ناجٍ وهالك، الناجي هو الذي صدق بألوهية الله في قلبه وعمل ما يثبت ذلك بجوارحه، فذاك سيهديه الله ويوفقه في كل أعماله في الدنيا، لكي لا تنتهي حياته إلا و كانت حصيلة تلك الأعمال يوم الحساب قد حققت استحقاق اليسرى، وهي الجنة.
وأما الصنف الهالك، وجزاء تكذيبه بألوهية الله وبالحساب، فسوف يمد الله له بِغيِّهِ، ويزيّن له افعاله، بتسخير أقران السوء الذين يبعدونه أكثر فأكثر عن مسار الهدى وسبيل الرشاد، فلا يبقى له من مصير يستحقه غير العسرى، وهي (جهنم) دار الشقاء والعذاب.
وهكذا يتبين لنا أن العدالة المطلقة هي الإلهية، وتتبدى في قوله تعالى: “مّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ” [فصلت:46].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى