
بين خطاب المقاومة وواقع السياسة: قراءة في المشهد الإيراني
هبة عمران الطوالبة
ليس ما يجري اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حدثًا طارئًا أو وليد اللحظة، بل هو امتداد لصراعٍ طويل تشكّل منذ اللحظة التي سقط فيها حكم الشاه عام 1979، حين تبدلت التحالفات، وانقلبت إيران من حليفٍ للغرب إلى خصمٍ معلن له. منذ ذلك الوقت، أصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، وتحوّلت إيران إلى أحد أهم أطراف هذه المعادلة المعقدة.
منذ عقود، قدّمت إيران نفسها بوصفها رأس محور مقاومة في المنطقة، ورفعت خطاب الدفاع عن القضية الفلسطينية، مستثمرة هذا الشعار في بناء صورة سياسية لها في الوعي العربي. غير أن قراءة المشهد الإيراني لا يمكن أن تعتمد على الخطاب المعلن فقط، بل يجب أن تعود إلى الوقائع التي جرت على الأرض خلال السنوات الماضية.
فإيران لم تكن بعيدة عن ساحات الصراع في المنطقة، بل كانت حاضرة بقوة في أكثر من ملف إقليمي. ففي العراق وأفغانستان، لعبت أدوارًا معقدة ضمن التوازنات التي رافقت الوجود الأمريكي هناك، كما امتد نفوذها إلى اليمن عبر دعم جماعات مسلحة، الأمر الذي أدخل البلاد في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في المنطقة.
أما في سوريا، فقد كان التدخل الإيراني أحد أبرز عوامل استمرار الحرب، حيث دعمت طهران نظام بشار الأسد سياسيًا وعسكريًا في مواجهة الانتفاضة السورية، وهي الحرب التي شهدت مجازر مروعة بحق المدنيين، من الحولة إلى الغوطة الشرقية، إضافة إلى استخدام السلاح الكيماوي في أعوام 2012 و2013. هذه الوقائع لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن دور إيران في المنطقة، لأنها تكشف جانبًا من السياسات التي مورست على الأرض بعيدًا عن الشعارات.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا بد من طرحه بوضوح: كيف يمكن التوفيق بين خطاب دعم القضية الفلسطينية وبين سياسات إقليمية شاركت في صراعات أودت بحياة آلاف المدنيين في دول عربية؟ إن المواقف السياسية لا تقاس بما يُرفع من شعارات، بل بما يُمارس من أفعال.
إن من يشارك في حروب تمزق المجتمعات العربية أو يساهم في قتل المدنيين، لا يستطيع بسهولة أن يقدم نفسه في موقع المدافع عن قضايا إنسانية عادلة. فالقضية الفلسطينية ليست شعارًا يُرفع في الخطب السياسية، بل قضية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية، ومن يتبناها يجب أن ينسجم سلوكه مع قيمها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة بدورها تدير صراعات المنطقة وفق منطق المصالح، فوجود خصم إقليمي مثل إيران يمنح واشنطن مبررًا دائمًا للإبقاء على حضورها العسكري في الخليج، ويمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك تحت عنوان مواجهة التهديد الإيراني. وهكذا تتحول المنطقة إلى مسرح صراع دائم، تتداخل فيه الشعارات مع الحسابات الاستراتيجية.
ومع تصاعد الأزمات الداخلية في إيران خلال السنوات الأخيرة، من احتجاجات شعبية إلى ضغوط اقتصادية خانقة، بدأ الحديث يتزايد عن احتمالات تغيّر المشهد السياسي هناك. وأي تحول جذري في إيران لن يكون حدثًا داخليًا عابرًا، بل تطورًا إقليميًا كبيرًا قد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها إيران في معادلات الطاقة والجغرافيا السياسية.
إن فهم ما يجري اليوم يتطلب الابتعاد عن القراءة العاطفية للأحداث، لأن العاطفة قد تصنع خطابًا جذابًا، لكنها كثيرًا ما تعجز عن تفسير الواقع. أما قراءة السياسة بعين العقل، فهي وحدها القادرة على كشف التناقضات وفهم المصالح التي تتحكم بحركة الدول.
ولهذا، فإن المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى خطاب عقلاني يقرأ الوقائع كما هي، لا كما تُراد لها أن تُفهم. فالحقيقة في السياسة لا تُقاس بعلوّ الشعارات، بل بوزن الأفعال. ومن يقتل أطفال سوريا لن يستطيع إقناع العالم بأنه يحمل راية الدفاع عن أطفال فلسطين، لأن العدالة لا تتجزأ، والدم واحد، مهما اختلفت الجغرافيا
