
#سواليف
“في هذا الشهر الذي تُضاء فيه النوافذ قبل القلوب، أجلس على حافة الوقت كمن يراقب موجةً لا تصل. كل شيء هنا يذكّرني بما كان: صوت الملاعق، رائحة الخبز الدافئ، وترتيب الكراسي حول مائدةٍ صارت أوسع مما ينبغي؛ ليس لأن المكان كبر، بل لأن الغياب تمدّد”.
بهذه الكلمات لخّص الزميل الصحفي محمود هنية شعور الوحدة في رمضان، بعد أن فقد زوجته وطفله بقصف استهدف البناية التي كانوا يتواجدون فيها بمنطقة اليرموك في غزة، خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على القطاع منذ تشرين أول/أكتوبر 2023.
في رمضان يتبدّل إيقاع الأشياء؛ الشوارع تُبطئ خطاها، والساعات تُصبح أكثر إنصاتًا. أما هنية فيمضي كمن يحمل حقيبةً خفيفة المظهر، ثقيلة المعنى. وجعه يتجدّد بصمت، وذاكرته تمشي وحدها كعابرٍ يعرف الطريق ولا يلتفت.
على مائدة الإفطار تغيّر كل شيء؛ الأطباق التي كانت تتجاور دفئًا صارت تفصلها مسافات باردة، وكل لقمة تفتح بابًا صغيرًا في القلب، وكل رشفة ماء تعيد ترتيب الصمت.
يقول: “لا يمكن لأحد أن يتجاوز غياب عائلته بأكملها. كل لحظة تُذكّرني بهم. الناجي الوحيد يعيش وجعًا متجدّدًا مع كل موسم عبادة أو مناسبة كانت يومًا جميلة، قبل أن أصبح فاقدًا لكل عائلتي، أحمل غيابهم معي في كل وقت”.
ويضيف في حديثه لـ”قدس برس”: “لا تمر لحظة دون أن أستحضر ذكرى مع زوجتي وصغيري؛ تجهيزات رمضان، وقت الإفطار، الزينة، موعد السحور، تفاصيل كانت تصنع حياة كاملة. أتذكر جيدًا كيف كانت لحظات إعداد الطعام تحمل دفئًا عائليًا لم يعد موجودًا الآن”.
ويتابع: “لم يكن وجع فقدهم يومًا أو يومين أو ثلاثة؛ إنه عمرٌ بأكمله. أستعيد لحظاتي معهم، فتذرف عيناي شوقًا للقائهم مجددًا”.
يشير هنية إلى أن كلًّا منهما كان يتقاسم أعباء يوم الصيام؛ بين إعداد الطعام، وترتيب المنزل، والذهاب إلى السوق، لينتهي يومهما ملتفين حول مائدة الإفطار، والبهجة تملأ حياتهم.
“الناجي الوحيد يصارع كل شيء”، يقول، “فكل تفصيلة صغيرة تحمل ذكرى لا تُمحى. أستذكر عائلتي الصغيرة، وأجدني أحتضن صورهم على الهاتف كأنها نافذتي الأخيرة إليهم”.
لا يختلف الحال كثيرًا لدى الحاج عمر الزين، الذي فقد جميع أفراد أسرته بقصف استهدف غرفة صف في مدرسة حكومية لجؤوا إليها مركزًا للإيواء، ظنًا منهم أنها أكثر أمانًا.
يقول الزين: “لا أستطيع وصف أيامي من دونهم. فقدت زوجتي وبناتي وابني الوحيد وصهري وأحفادي. كانوا يملؤون عليّ أيام رمضان، أما الآن فأنا وحيد، أستعيد تلك اللحظات التي كانت تُعدّ فيها زوجتي طعام الإفطار، ونلتف عائلة كبيرة حول سفرة يملؤها ما لذّ وطاب”.
ويضيف لـ”قدس برس”: “أصبح طعامي الوحدة وغذائي الفقد. لم يعد لحياتي معنى دونهم. أقضي وقتي بين الصلاة والدعاء لهم، لعلّ ذلك يخفف نار الشوق التي تسكن قلبي”.
ويتابع: “كان رمضان قبل الحرب يعني ساعات من التحضيرات، وتزيين المنزل، وإعداد الحلويات، وشراء الفوانيس، والاستعداد لصلاة التراويح معًا. أما الآن، فلم يبقَ سوى الذكريات، والشوق الذي لا يهدأ”.
أما الفتى إياد سلامة عسلية، فيفتّش في ذاكرته عن صورٍ غابت هذا الرمضان؛ وجوه كانت تلتف حول المائدة، وأصوات كانت تملأ المكان حياة، ثم صارت فراغًا.
يقول عسلية (13 عامًا) إنّ مأساته بفقد عائلته لم تكن لحظة عابرة، بل زمنًا انكسر فيه كل شيء دفعة واحدة.
ويضيف: “أكثر ما يؤلمني أنهم غابوا جميعًا في وقت واحد، وبقيت وحدي أواجه الأيام. هذا أول رمضان لي من دونهم. لم أتخيل أن يؤلمني قلبي لمجرد إعلان ثبوت رؤية الهلال. عندما رأيت الأطفال يتجهزون مع أهلهم، تذكرت رمضان الأخير لي معهم، وكيف كنت أزيّن بيتنا مع أبي وإخوتي”.
يتابع: “لا تمر لحظة دون ذكرى. كنا نجلس حول المائدة نضحك ونمازح بعضنا، والبسمة لا تفارق وجوهنا. الإفطار والسحور كانا أوقاتًا للفرح، لا للحزن”.
ويختم بصوت يختلط فيه الألم بالحنين: “رمضان هذه المرة يحمل وجعًا لا أستطيع احتماله. أشتاق لأمي وأبي وإخوتي، أشتاق لتفاصيل حُرمت منها إلى الأبد”.
في غزة، لا يأتي رمضان هذا العام بذكريات العبادة وحدها، بل يحمل أيضًا وجوهًا غابت، وموائد نقصت، وبيوتًا صار فيها الصمت أثقل من الجدران. هنا، الناجي الوحيد لا ينجو من الذكرى؛ يمضي في أيامه، وذاكرته تمشي إلى جواره… وحيدة.




