المحكمة المختصة بالطعن في قرار ملء المقعد الشاغر/ إشكالية بين “صحة النيابة” ورقابة القرار الإداري

#سواليف

المحكمة المختصة بالطعن في قرار ملء المقعد الشاغر/ إشكالية بين “صحة النيابة” ورقابة القرار الإداري

المحامي د. حازم سليمان توبات
استاذ القانون الدستوري المساعد في كلية القانون/ جامعة اليرموك
يثير قرار الهيئة المستقلة للانتخاب بتطبيق الفقرة (3) من المادة (58) من قانون الانتخاب لتحديد من يخلف النائب الذي شغر مقعده إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بتحديد الجهة القضائية المختصة بنظر الطعن في هذا القرار. فهل يُعد النزاع طعنًا في “صحة النيابة” بالمعنى المقصود في المادة (71) من الدستور، فينعقد الاختصاص لمحكمة التمييز؟ أم أنه طعن في قرار إداري نهائي يخضع لرقابة المحكمة الإدارية؟
تكمن حساسية المسألة في أن القرار المطعون فيه لم يكن إجراءً تنظيميًا مجردًا، بل ترتب عليه إعلان شخص نائبًا في مجلس النواب ومباشرته مهامه بعد أداء اليمين الدستورية. وهذا الأثر هو الذي فتح باب التساؤل حول طبيعة النزاع وحدود الاختصاص.
الفرضية الأولى: النزاع طعن في صحة النيابة
تنطلق هذه الفرضية من أن جوهر النزاع لا يقف عند حدود مشروعية قرار إداري، وإنما يمتد إلى صحة اكتساب الصفة النيابية ذاتها. فإذا كان القرار قد أنشأ مركزًا دستوريًا جديدًا يتمثل في العضوية البرلمانية، فإن الطعن فيه يُعد — وفق هذا التصور — طعنًا في صحة النيابة، مما ينعقد معه الاختصاص لمحكمة التمييز استنادًا إلى المادة (71) من الدستور، التي خولتها الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب.
غير أن هذه الفرضية تثير إشكالًا جوهريًا يتعلق بالميعاد الدستوري، إذ ربطت المادة (71) الطعن بتاريخ نشر نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية وحددته بخمسة عشر يومًا. وفي حالة ملء المقعد الشاغر لا يوجد نشر لنتائج انتخابية جديدة، وإنما يوجد قرار لاحق بتطبيق نص قانوني ينظم آثار الشغور. وهنا يثور التساؤل: هل يجوز القياس على النص الدستوري واعتبار قرار الهيئة نقطة بدء جديدة لميعاد الطعن؟
القول بجواز ذلك يعني التوسع في تفسير اختصاص استثنائي محدد بنص وميعاد، وهو ما يثير تحفظًا من زاوية التفسير الضيق للاختصاصات الدستورية.
الفرضية الثانية: النزاع طعن في قرار إداري نهائي
أما الفرضية الأخرى فتقوم على التمييز بين مصدر الصفة النيابية وأثرها. فالعملية الانتخابية الأصلية قد انتهت واكتملت نتائجها ونُشرت في الجريدة الرسمية. أما ملء المقعد الشاغر فلا يستند إلى اقتراع عام جديد، بل إلى تطبيق نص قانوني ينظم كيفية معالجة الشغور بعد انتهاء العملية الانتخابية.
وبالتالي فإن مصدر الصفة النيابية في هذه الحالة هو قرار إداري صادر عن الهيئة المستقلة للانتخاب أثناء ممارستها لاختصاصها التنفيذي في تطبيق قانون الانتخاب، لا نتيجة انتخابية منشئة. وعليه فإن الطعن ينصرف إلى مدى مشروعية تفسير وتطبيق المادة (58)، وهو ما يندرج ضمن ولاية المحكمة الإدارية باعتبارها صاحبة الاختصاص العام في رقابة القرارات الإدارية النهائية، ما لم يرد نص خاص يخالف ذلك. ولا يوجد في التشريع نص صريح يُسند الطعن في قرارات ملء الشغور إلى محكمة التمييز.
موضع التعقيد الحقيقي
الإشكالية لا تتعلق بمجرد توزيع إجرائي للاختصاص، بل تتصل بضمان حق التقاضي ومنع انسداد طرق الطعن. فاحتمال أن ترى المحكمة الإدارية أن النزاع يتعلق بصحة النيابة، فيقضى بعدم الاختصاص، مع احتمال أن ترى محكمة التمييز أن ميعاد المادة (71) لا ينطبق لعدم وجود نتائج انتخابية جديدة منشورة، قد يفضي عمليًا إلى فراغ إجرائي يهدد حق المتقاضين في الوصول إلى قاضيهم الطبيعي.
ومن هنا فإن معيار الحسم لا ينبغي أن يكون الأثر السياسي أو البرلماني للقرار، بل طبيعته القانونية ومصدر الصفة النيابية. فإذا كان المصدر اقتراعًا عامًا منشئًا، انعقد الاختصاص وفق المادة (71). أما إذا كان المصدر قرارًا إداريًا لاحقًا بتطبيق نص ينظم الشغور، فإن النزاع ينصرف إلى مشروعية هذا القرار ويخضع لرقابة القضاء الإداري.
في ضوء ما تقدم، يتبين أن الأخذ بأي من الفرضيتين لا يستند إلى نص قاطع يحسم الجهة المختصة بصورة نهائية، بل يخضع لاجتهاد فقهي وقضائي في تكييف النزاع وتحديد طبيعته. فالنصوص القائمة لم تعالج بصورة صريحة مسألة الاختصاص في الطعن بقرارات ملء المقعد الشاغر، مما يجعل المسألة عند نقطة تماس بين اختصاص دستوري استثنائي واختصاص إداري عام.
ومن ثم لا يمكن الجزم ابتداءً بالجهة القضائية المختصة، إذ يتوقف الحسم على الكيفية التي سيستقر عليها الاجتهاد القضائي في توصيف القرار وطبيعته. وإلى أن يتبلور هذا الاستقرار، تبقى الإشكالية مفتوحة، بما يحمله ذلك من أهمية بالغة لمستقبل تنظيم الشغور النيابي وحدود الرقابة القضائية عليه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى