العقل زينة

#العقل_زينة

د. هاشم غرايبه
قد يظن البعض أن عنوان (العقل زينة) فيه تعالي على الذين ينكرون وجود الخالق، أو اتهام لهم بقلة العقل، لكنه في الحقيقة ليس مقصده ذلك، بل هو إعلاء لقيمة العقل، كونه أهم ميزة للبشر عن الكائنات الحية البدائية، التي لا تستدل على الشيء بالمحاكمة العقلية المنطقية، وإنما بالمدركات الحسية الحسية فقط، لذلك فمن يقول إنني لا أومن الا بما أراه أو أحس به، فهو لا يعطي العقل قيمته كزينة تزين البشر، لأنه يعود الى تلك المرتبة البدائية.
قد يحاولون الخروج من هذا المأزق بالإدعاء بأنهم إنما يؤمنون بالعلم كمنتج للعقل البشري، وله أثر مادي ملموس لا يمكن انكارها كحقيقة واقعة، وليس بالمقولات الغيبية التي هي منتج ديني ولا سبيل لاثبات وجودها من عدمه.
هنا يبرز التعالي بأجلى صوره عندما يحاول هؤلاء ايجاد تصادم بين العلم والدين
لكننا لو عدنا الى أصل العلم ما هو، لعرفنا أنه مجموعة من المعارف المتراكمة التي حققها البشر بالاكتشاف والتجريب، الحقائق الثابتة التي لم تتغير هي ما يسمى بالقوانين الطبيعية، وبالتسمية الدينية تسمى السنن الكونية، أما المتغيرة والمتطورة فهي ما بني عليها عبر العصور من تطبيقات نافعة للبشر وحسب التقدم المعرفي لهم.
مثلا فحركة السيارة ذاتيا من غير وجود حصان يجرها بنيت أساسا على وجود قانون تمدد الغازات بالحرارة والذي يحولها الى طاقة حركية لأجزاء المحرك، وانتقالها مبني على وجود معامل الاحتكاك بين العجلة والأرض، وطيران الطائرة ما كان ليتم لولا قانون الضغط الجوي ومقاومة الهواء، وما كان ليتم النقل البحري لولا وجود قانون الأجسام الطافية والكثافة، وهكذا في جميع ما اخترعه الإنسان أو طوره.
إذا فأصل العلم ومرتكزه الأساس هو تلك الثوابت الكونية التي اكتشفها الانسان ضابطة ومنظمة لكافة العلاقات، وما اكتشفه الى الآن حوالي أربعين ثابتا كونيا لم تتغير منذ الأزل، ولا سبيل لديه بتغيير أي منها أو تعديله، أو استحداث ما لم يكن موجودا.
ارخميدس لم يضع قانون الاجسام الطافية، بل اكتشف وجوده، ومن قبل أن يخلق بملايين السنين، وكذلك ما نسميه بقانون فيثاغورس أو نيوتن أو بويل أو اينشتاين .. الخ، جميعها كانت اكتشافا لموجود كان يجهله الانسان.
الوجود كله أصلا موجود لأن هذه الثوابت موجودة وثابتة بدقة باهرة، لو تغيرت قيد أنملة لما وجد الوجود من أصله، سرعة الضوء تبلغ حوالي 300 مليون متر في الثانية، لو كانت أبطأ لا تتكون الذرات، ثابت الجاذبية دقيق لدرجة أنه لو قل بمقدار 1 : 10000 لانهارت النجوم، ولو زاد لن تتكون أصلا، القوة الكهرومغناطيسية تبلغ 1: 137 ، وهو ثابت لو تغير بنسبة 4 % فقط فالكربون لا يتكون، طاقة الفراغ تبلغ 1 : 10 ^ 120 التي تتحكم في سرعة تمدد الكون لو كانت أسرع بجزء واحد لتمدد بسرعة لدرجة لا تتكون معها مجرة.
وهكذا في كل شيء من الذرات الى القارات الى المجرات، كل شيء مضبوط بدقة باهرة، هل التفسير المنطقي لذلك أن هذه الدقة البالغة جاءت نتيجة لطفرات غير منضبطة ولا موجهة، أم هي من تدبير قوة أعظم من قدرتنا على تخيلها .
هنا تبرز قيمة العقل، فقبوله التفسير الساذج القائل بعبثية الوجود وأنه كون ذاته بذاته وطور تلك الثوابت البالغة الدقة والانضباط بعشوائية، هو إقلال من قيمته، لأنه قسر له على تقبل ما ليس منطقيا ولا دليل عليه.
فما الذي حدد كل المسارات لأي من الثوابت التي ذكرناها، وضبطها على النسق ذاته الذي التزمت به منذ الأزل غير قوة من خارجها، هي أوجدتها أصلا، ثم ألزمت كل الموجودات بالالتزام المطلق بها
أليس العقل زينة إذا!؟.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى