العرب أولاً: فرصة الدول العربية لصياغة مستقبل المنطقة

العرب أولاً: فرصة الدول العربية، وخاصة الخليج، لصياغة مستقبل المنطقة في ظل الحرب على إيران

د محمد بني سلامة
أعادت الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى طرح سؤال جوهري حول مستقبل المنطقة العربية، ودور الدول العربية – وخصوصاً دول الخليج العربي – في صياغة توازناتها الأمنية والسياسية. فمع تصاعد المواجهة العسكرية واتساع نطاق التوتر في الخليج، تبدو المنطقة مرة أخرى وكأنها تقف في قلب صراع لم تختره، لكنها تتحمل جانباً كبيراً من تداعياته.
ومن المهم التأكيد منذ البداية على حقيقة أساسية: هذه الحرب ليست حرب العرب، ولم تكن الدول العربية طرفاً فيها. فهي مواجهة نشأت نتيجة صراع استراتيجي بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وتدور حول قضايا تتعلق بالتوازنات الدولية والبرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي. ومع ذلك، تجد الدول العربية نفسها في قلب تداعيات هذا الصراع بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية.
لقد كشفت الحرب على إيران أن الدول العربية، وخاصة دول الخليج، غالباً ما تجد نفسها في موقع المتأثر المباشر بالأزمات الإقليمية والدولية. فالممرات البحرية الحيوية، ومنشآت الطاقة، والبنية التحتية الاقتصادية في الخليج أصبحت أهدافاً محتملة في أي تصعيد عسكري واسع، رغم أن هذه الدول لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.
هذا الواقع يفرض على الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، إعادة التفكير في موقعها داخل النظام الإقليمي. فبدلاً من أن تبقى المنطقة مجرد ساحة تتقاطع فيها استراتيجيات القوى الكبرى أو مشاريع الهيمنة الإقليمية، يمكن للدول العربية أن تتحول إلى مركز ثقل للاستقرار في الشرق الأوسط.
لقد أظهرت الأزمة الحالية أن الاعتماد المطلق على الضمانات الأمنية الخارجية لم يعد كافياً لضمان استقرار المنطقة. فعندما تندلع الحروب بين القوى الكبرى أو القوى الإقليمية، تتحرك هذه القوى وفق مصالحها الاستراتيجية الخاصة، بينما تتحمل الدول العربية القريبة من مسرح الصراع كلفة التوتر الأمني والاقتصادي.
في المقابل، تمتلك الدول العربية – وخاصة دول الخليج العربي – عناصر قوة مهمة تؤهلها للعب دور محوري في صياغة مستقبل المنطقة. فهذه الدول تمتلك اقتصادات قوية، وموارد طاقة استراتيجية، وموقعاً جغرافياً محورياً يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، إضافة إلى شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية مع مختلف القوى الدولية.
لقد نجحت دول الخليج خلال العقود الماضية في بناء نماذج اقتصادية تقوم على الانفتاح والتكامل مع الاقتصاد العالمي، وعلى تطوير البنية التحتية والقطاعات اللوجستية والمالية والتكنولوجية. وهذه الإنجازات تجعل من الخليج أحد أهم مراكز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
في المقابل، تبدو إسرائيل اليوم أكثر اندفاعاً نحو سياسات القوة العسكرية، مدفوعة بتوجهات سياسية تميل إلى القومية الدينية والتشدد الأيديولوجي. كما أن اعتمادها الكبير على الدعم العسكري والسياسي الأمريكي يجعل دورها الإقليمي مرتبطاً بشكل كبير بالسياسة الأمريكية.
أما إيران، التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد أصبحت أيضاً أحد المحاور الرئيسية في معادلات التوتر الإقليمي، سواء من خلال برنامجها العسكري أو عبر شبكة تحالفاتها في المنطقة. وقد أدى هذا التنافس إلى تكريس بيئة أمنية غير مستقرة تهدد مصالح العديد من الدول العربية.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح من الضروري أن تبحث الدول العربية، وخاصة دول الخليج، عن مسار استراتيجي ثالث لا يقوم على الانخراط في صراعات الآخرين. فالعرب ليسوا طرفاً في هذه الحرب، ولا ينبغي أن يتحولوا إلى ساحة لها أو إلى طرف يتحمل تكاليفها السياسية والاقتصادية والأمنية.
فبدلاً من أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة بين مشاريع إقليمية ودولية متنافسة، يمكن للدول العربية أن تتبنى رؤية سياسية تقوم على مبدأ واضح: العرب أولاً.
لا يعني هذا الشعار الانعزال عن العالم أو التخلي عن الشراكات الدولية، بل يعني إعادة ترتيب الأولويات بحيث تكون مصالح الدول العربية واستقرارها في مقدمة الحسابات الاستراتيجية. كما يعني تعزيز التنسيق العربي في القضايا الكبرى، خصوصاً في مجالات الأمن الإقليمي وأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي.
إن تبني رؤية تقوم على مبدأ “العرب أولاً” يعني أن تختار الدول العربية مصيرها بنفسها، وأن تشارك بفاعلية في صياغة التوازنات الإقليمية بدلاً من أن تكون مجرد أدوات في أجندات القوى الأخرى.
ورغم المخاطر الكبيرة التي تحملها الحرب الحالية، فإنها قد تمثل أيضاً لحظة مفصلية تدفع الدول العربية – وخاصة دول الخليج – إلى إعادة تقييم موقعها في النظام الإقليمي. فقد أثبتت الأزمات الكبرى عبر التاريخ أنها كثيراً ما تفتح الباب أمام تحولات استراتيجية عميقة.
وقد تكون هذه الحرب لحظة تدرك فيها الدول العربية أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن يُبنى من داخلها. وعندها فقط يمكن أن تتحول الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، إلى مركز الثقل والاستقرار في المنطقة، وأن تكتب مستقبلها بيدها وفق رؤية واضحة عنوانها: العرب أولاً.
وليس “إسرائيل أولاً” أو “أمريكا أولاً”.
وهذا يعني أن تختار دول المنطقة مصيرها بنفسها، وأن تشكله بفاعلية، بدلاً من أن تكون مجرد أداة في أجندات الآخرين.
وقد تتحول الأزمة الحالية، على نحو غير متوقع، إلى لحظة تاريخية جديدة في مسيرة المنطقة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى