
الشرق الأوسط أمام لحظة التحول الكبرى
فريد طوالبه
بعد مرور ثمانية أيام على اندلاع المواجهة العسكرية بات واضحا أن المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة تختلف كليا عما عرفه الشرق الأوسط خلال العقود الماضية . فالحرب الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بل هي صراع مركب تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية ويكاد يرسم ملامح نظام إقليمي جديد قيد التشكل.
كانت التقديرات الأولية لدى بعض الأطراف تقوم على إمكانية تحقيق حسم سريع عبر ضربات مكثفة تستهدف القدرات العسكرية والبنية الاستراتيجية لإيران وشلها كليا غير أن الأيام الثمانية الأولى أثبتت أن هذا الرهان لم يكن واقعيا فالصراع أخذ منحى الاستنزاف التدريجي حيث ما زالت القدرة على الرد المتبادل قائمة الأمر الذي يثبت ان البيئة العسكرية في المنطقة قد باتت اكثر تعقيدا.
فمع استمرار الحرب بدأت ساحة الصراع تتجاوز حدود المواجهة المباشرة لتشمل ساحات جغرافية أوسع في الإقليم . هذا الاتساع يضع المنطقة أمام احتمالية انتقال المواجهة إلى حرب متعددة الجبهات وهو السيناريو الأكثر خطورة على استقرار الشرق الأوسط.
يبقى العامل الاقتصادي أحد أهم عناصر الصراع فكلما طال أمد الحرب ازدادت الضغوط على أسواق الطاقة العالمية خصوصا مع التوتر المسلح والمتصاعد حول (مضيق هرمز) الذي يمثل شريانا رئيسيا لتدفق النفط نحو الأسواق الدولية . وأن أي اضطراب كبير في هذا الممر الحيوي قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي ويحول الحرب من صراع إقليمي إلى أزمة دولية واسعة.
فبالنسبة لواشنطن يمثل استمرار الصراع اختبارا لقدرتها على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة أما موسكو وبكين فتتابعان المشهد باعتباره فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي خاصة في ظل التنافس المتصاعد مع الغرب.
وهنا تصبح المنطقة أمام مفترق طرق ما فما يجري اليوم لا يقتصر على معركة عسكرية بل هو لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط . فإذا مالت الحرب للتوسع فقد نشهد تحولات عميقة في التحالفات الإقليمية وموازين القوة . أما إذا نجحت الجهود السياسية في احتواء التصعيد فقد تفتح الأزمة الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة تعيد تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة.
فثمانية أيام من الحرب كانت كافية لتكشف أن الحرب الدائره هي أكبر من مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل إنها اختبار حقيقي لقدرة المنطقة والعالم على تجنب الانزلاق نحو فوضى أوسع . وفي ظل هذا الواقع يبقى السؤال الأهم : هل تتجه الأطراف نحو التصعيد؟ أم أن منطق السياسة سيفرض نفسه قبل أن تتحول الحرب إلى حريق إقليمي يصعب إخماده.




