الشجب والاستنكار في زمن انكشاف السرديات

الشجب والاستنكار في زمن انكشاف السرديات, حين يصبحان خوفًا من سقوط آخر ورقة توت

بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد

في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، برزت ظاهرة “الشجب والاستنكار” بوصفها السمة الأكثر حضورًا في الخطاب الرسمي. فقد باتت البيانات المندّدة والاستنكارية تتوالى بوتيرةٍ تكاد تطغى على أيّ فعلٍ ملموس، حتى غدت، في نظر كثيرين، بديلًا عن السياسات الفاعلة لا مكمّلًا لها.

من حيث المبدأ، لا يمكن التقليل من أهمية الشجب كأداةٍ أخلاقية تعبّر عن رفض الظلم والانحياز إلى القيم الإنسانية. غير أنّ الإشكالية تنشأ حين يتحوّل هذا الموقف إلى ممارسةٍ نمطية، تُستدعى في كلّ مناسبة، دون أن تقترن بخطواتٍ عملية تُترجم هذا الرفض إلى واقع. عندها، يفقد الشجب معناه، ويتحوّل من موقفٍ مبدئي إلى أداةٍ خطابية تُستخدم للحفاظ على التوازنات الشكلية وتجنّب الاستحقاقات الحقيقية.

على امتداد عقودٍ طويلة، استثمرت دول المنطقة موارد هائلة في بناء قدراتها العسكرية التي لم تفلح في تحرير شبر واحد من الأراضي المغتصبة، ورفعت شعاراتٍ كبرى تتعلّق بحماية القضايا المصيرية والدفاع عن الحقوق. غير أنّ المحصلة، في كثيرٍ من الأحيان، كشفت عن فجوةٍ واضحة بين الخطاب والممارسة. فقد ظلّ الفعل السياسي محكومًا باعتباراتٍ معقّدة، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية، بينما بقيت الشعوب تترقّب نتائج استثماراتها في المنظومة العسكرية و التي لم تتبلور على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، لا بدّ من التأكيد على مبدأٍ أساسي ظلّ حاضرًا في الوجدان الجمعي، وهو رفض الاعتداء على الدول أو تعريض شعوبها لأيّ أخطار. فالأصل في العلاقات بين الدول هو احترام السيادة، وصون أرواح المدنيين، وتجنّب توسيع دوائر الصراع بما يفاقم المعاناة الإنسانية.

غير أنّ هذا المبدأ يواجه اختبارًا معقّدًا حين تتحوّل بعض الدول، طوعًا أو ضمن ترتيباتٍ دولية، إلى منصّاتٍ أو مراكز انطلاقٍ لعملياتٍ عسكرية أو أمنية موجّهة لدعم أطرافٍ منخرطة في صراعاتٍ إقليمية، أو لمساندة قوى تُتَّهم بانتهاك حقوق شعوبٍ أخرى. في مثل هذه الحالات، تتداخل مفاهيم السيادة مع مسؤوليات الواقع، وتصبح الصورة أكثر تعقيدًا من ثنائية الاعتداء والدفاع.

وهنا، يبرز تساؤلٌ مشروع, هل يبقى الشجب موقفًا كافيًا، إذا ما ارتبطت بعض الجغرافيا بأدوارٍ تتجاوز حدودها الوطنية، وتؤثّر بشكلٍ مباشر في موازين الصراع؟ أم أنّ الموقف يتطلّب مراجعةً أعمق لطبيعة هذه الأدوار، ولانعكاساتها على الأمن الإقليمي؟

إنّ معالجة هذه الإشكالية لا تكون بتبرير التصعيد أو التغاضي عن مخاطره، بل بالسعي إلى إزالة أسباب التوتر من جذورها، وفي مقدّمتها انهاء أيّ وجودٍ عسكري أو ترتيباتٍ تُبقي المنطقة رهينةً لصراعاتٍ ممتدّة. فاستقرار الدول لا يُبنى على استضافة بؤر التوتر، كما أنّ الاستقلال الحقيقي لا يكتمل في ظلّ ارتهاناتٍ أمنية أو عسكرية خارجية.

وفي هذا الإطار، يزداد حضور الشجب والاستنكار كلّما اقتربت لحظات الاختبار الحقيقي، وكأنّ ارتفاع الصوت يوازي القلق من انكشاف ما وراءه. فالكثير من الساسة باتوا يدركون أنّ الاستمرار في الاكتفاء بالخطاب، دون ترجمةٍ فعلية، قد يؤدي إلى سقوط “آخر أوراق التوت” التي طالما غطّت فجوة القول والفعل. وعندها، لا يكون الانكشاف أمام الشعوب فحسب، بل أمام سجلّ التاريخ ذاته، الذي لا يحتفظ بالشعارات، بل بما تحقق منها.

ذلك أنّ الشعارات التي رُفعت لعقودٍ طويلة، إذا لم تُترجم إلى سياساتٍ تحقّق الحدّ الأدنى من أهدافها، فإنّها تفقد مشروعيتها تدريجيًا، وتتحوّل في نظر الرأي العام إلى أدواتٍ للاستهلاك الإعلامي أكثر منها التزامًا حقيقيًا باستعادة الحقوق أو صون الكرامة الإنسانية. ومع تراكم هذه الفجوة، يصبح الخشية من انكشافها دافعًا إضافيًا لمضاعفة الخطاب، بدل مراجعة المسار.

وفي لحظاتٍ مفصلية، حين تبادر أطرافٌ خارج الإطار التقليدي إلى اتخاذ مواقف أو خطوات تُعبّر عن مقاومةٍ أو دفاعٍ عن الحقوق، تتبدّى مفارقة لافتة, إذ يرتفع صوت الشجب لا تجاه الفعل الأصلي المثير للأزمة فحسب، بل أحيانًا تجاه ردود الفعل عليه. هنا، لا يعود الشجب تعبيرًا عن موقفٍ أخلاقي متماسك، بل يصبح انعكاسًا لحالة ارتباكٍ سياسي، ومحاولةً لإعادة ضبط السردية بما ينسجم مع أولوياتٍ قائمة.

هذا الاستخدام الانتقائي للشجب يطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول معايير الانحياز, هل تُقاس المواقف بميزان العدالة، أم بميزان الكلفة السياسية؟ وهل يُؤجَّل الانتصار للمبادئ حين تتعارض مع اعتبارات الاستقرار أو التحالفات؟

إنّ الإشكالية الأعمق لا تكمن في الشجب ذاته، بل في تحوّله إلى “غطاءٍ سياسي” يُخفي خلفه عجزًا عن الفعل، أو تردّدًا في اتخاذ مواقف حاسمة. فحين تتكرّر البيانات دون أن يصاحبها تغيير، تصبح أقرب إلى طقسٍ روتيني يُمارس للحفاظ على الصورة العامة، وتفادي الانكشاف أمام الرأي العام.

وفي هذا السياق، قد يُستخدم الخطاب الدبلوماسي بلغةٍ ناعمة تُغلّف مفاهيم مثل “الحكمة” و”التوازن” و”ضبط النفس”، وهي مفاهيم مشروعة في ذاتها، لكنّها تفقد معناها حين تتحوّل إلى مبرّراتٍ دائمة لتأجيل الفعل أو تجنّب المسؤولية. إذ إنّ التوازن الحقيقي لا يعني الحياد بين الحقّ والباطل، كما أنّ الحكمة لا تبرّر الصمت المستمرّ في مواجهة التحدّيات الكبرى.

لقد أثبتت التجارب أنّ الفجوة بين القول والفعل لا تبقى خفيّة إلى الأبد. فالشعوب، مهما طال صبرها، قادرة على إدراك هذا التباين، وعلى التمييز بين المواقف التي تنبع من قناعةٍ حقيقية، وتلك التي تُصاغ بدافع الضرورة أو الخشية من التداعيات.

إنّ لحظات الأزمات لا تكتفي بكشف مكامن الخلل، بل تفتح أيضًا نافذةً للمراجعة وإعادة التقييم. غير أنّ هذه الفرصة قد تُهدر حين يُستعاض عن النقد الذاتي بتكثيف الخطاب، وعن الإصلاح بتكرار العبارات ذاتها.

وفي المحصلة، لا يُقاس وزن المواقف بحدّة اللغة أو تكرار البيانات، بل بمدى اتساقها مع الأفعال. كما أنّ مصداقية أيّ منظومة سياسية لا تُبنى على قدرتها على الشجب، بل على قدرتها على تحويل مواقفها المعلنة إلى سياساتٍ قابلة للتطبيق.

وعليه، فإنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في إصدار المزيد من بيانات الإدانة، بل في إعادة تعريف دور هذه البيانات ضمن رؤيةٍ أشمل، تجعل منها خطوةً أولى تتبعها إجراءات واضحة، لا محطةً نهائية تُغني عن الفعل.

في نهاية المطاف، تظلّ الحقيقة بسيطة رغم كلّ التعقيد, لا يكفي أن يُقال إنّ هناك ظلمًا, بل الأهمّ ماذا فُعل حياله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى