
السَّرديّة والواقِعة والخِطاب في عالم البيئة
د. أيوب أبودية
زاد الحديث مؤخرا عن السردية، فآثرت أن أجتهد وأميز بين السردية والواقعة والخطاب بأمثلة من البيئة والمناخ، والتي يمكن أن يُقاس عليها في العلوم الاجتماعية، كالسياسة والأدب والاقتصاد والفلسفة والتأريخ وعلم الاجتماع.
السَّرديّة هي القصة المعتمدة التي نُرتّب من خلالها الأحداث والأفكار لنفهم الواقع ونفسّره ونمنحه معنى. والسردية ليست مجرد حكاية تُروى، بل طريقة في التعبير والتأويل: أي ماذا نختار أن نروي؟ كيف نرويه، ومن أي زاوية أو قناعة؟
أمثلة لتوضيح الفكرة:
في التأريخ: الحدث التاريخي واحد، لكن السردية تختلف، لذلك تصلنا روايات متعددة؛ فهناك استعمار يُقدَّم في سرديته بوصفه «رسالة حضارية»، وفي سردية مغايرة للمستعمَر يُنظر للاستعمار بوصفه ” قتلا ونهبا وهيمنة”.
في السياسة: معركة واحدة، ولكن قد تُروى كسردية «دفاع عن النفس»، أو كسردية «عدوان واحتلال”.
في الإعلام: إن اختيار الصور، عناوين الأخبار، الكلمات والمجازات والتشبيهات، الضحايا، والمتهمين، … هو بناء لسرديّات مختلفة عن الواقع من أجل التشويق أو لترويج خطاب ما، فمن النادر وجود أخبار محايدة للواقع في عالم الإعلام.
في الأدب: السردية تحدد مَن هو البطل، ومَن هو الشرير، وما المعنى الأخلاقي للحكاية. فهناك ما يُقال وما يُخفى (المستور) والقيم الضمنية وراء القصة. ففي رواية “مزرعة الحيوانات” يصوغ جورج أورويل سردية على لسان الحيوانات تُظهر كيف تبدأ الثورات بشعارات العدالة والمساواة ثم تنتهي إلى نظام قمعي جديد.
ورغم ذلك، فالسردية ليست كذباً بالضرورة، لكنها ليست الحقيقة كاملة؛ إنها طريقة تنظيم الحقيقة لخدمة معنى معيّن وهدف معين. ولكن، ما الفرق بين السردية والخطاب والوقائع؟
السردية هي الإطار العام للفهم الذي يجيب عن المعنى الذي نريد أن نصل إليه، وتمتد عبر الزمن، وتجمع أحداثاً متفرقة في حكاية واحدة متماسكة. وقد تكون واعية أو غير واعية.
فمثلا: القول “إن الإنسان عدوّ الطبيعة” هو سردية بيئية، أي ماذا نروي، ولماذا؟ أما الخطاب، فهو كيف نروي، وبأي لغة؟ كاستخدام عبارات، مثل: “استنزاف الموارد”، فهو أسلوب الكلام والأدوات المستخدمة للتعبير، ويشمل اللغة، المصطلحات، النبرة، الصور، الاستعارات، إلخ.
أما الوقائع فهي أحداث أو أرقام قابلة للرصد والتوثيق، ولا تحمل معنى بذاتها، مثل: تاريخ ما، عدد، نسبة، صورة. لنقدم مثالين من عالم البيئة والمناخ:
“ارتفع معدل درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية”.
“ارتفع معدل النمو الاقتصادي العالمي عام 2024 إلى 3%” .
لذلك نبدأ من الوقائع ونصوغها في خطاب، ومن ثم نسردها بحيث تربط الوقائع ببعضها فتمنحها تفسيرًا. وهنا نختار أي وقائع ينبغي أن تُبرز وأيها تُهمّش. وعندها يمكن للسارد أن يضيف معنى، أو يسكت عن آخر، وأحيانًا يضيف موقفًا أخلاقيًا. ومن هنا تبدأ السرديات في الاختلاف، فمثلا يمكننا وضع أكثر من سردية للواقعة نفسها، كالتالي:
الواقعة: وتيرة النمو الاقتصادي الحالي مرتفعة للغاية.
سردية 1: “النمو الاقتصادي يتطلب ثمناً بيئياً مؤقتاً”.
سردية 2: “النمو الاقتصادي الحالي سيقود إلى انهيار بيئي شامل”.
سردية 3: “وتيرة النمو الاقتصادي الحالي يمكن أن تكون مقبولة بيئياً إذا تم دمج الاستثمار في الطاقة النظيفة لتقليل الأثر البيئي تدريجيًا.”
إذن، الوقائع تقول ما الذي يحدث، والسردية تفسّر وتسعى إلى تأويل ماذا يعني ما حدث، وذلك عبر خطاب لغوي وصفي قصدي وأيديولوجي مدروس.
مثال آخر لواقعة إزالة الغابات باستخدام سرديات متنوعة:
سردية1 : “تحويل الغابات إلى مزارع ضرورة لإطعام العالم”.
سردية 2: “إزالة الغابات جريمة بحق التنوع الحيوي والمناخ” .
سردية 3: “إزالة الغابات ليس جريمة إذا تم إعادة التشجير”.
فالوقائع لا تتكلم لوحدها إنما السرديات هي التي تُنطِقها، والخطاب هو الصوت الذي نسمعه. ولكن، هل السردية يمكنها أن تصبح أسطورة؟
هنا يلتقي مفهوم السردية مع الأسطورة من حيث أن الأسطورة قصة تقليدية أو مقدسة تبدو خارج الزمن، أما السردية فقصة حديثة أو أيديولوجيا مرتبطة بلحظة تاريخية محددة داخل الزمن ومن شأنها أن تبرر موقفا محددا؛ وكلاهما يبني معنى ولا يكتفي بالوقائع.
يُعد مثال ليفي- شتراوس الشهير عن «النيء والمطبوخ» من أبرز النماذج التي استخدمها لشرح طريقته في تحليل الثقافة والرموز والسرديات. ففي كتابه «النيء والمطبوخ» اعتبر أن النيء يرمز إلى الطبيعة (الواقعة)، بينما يرمز المطبوخ إلى الثقافة (السردية).
ثم يأتي ميشيل فوكول يتساءل: مَن يملك حق إنتاج المعنى؟ ولمصلحة مَن؟
الخطاب عند فوكو يُعبّر عنه من خلال منظومة من الخبراء تُنظّم ما يُقال وما يُمنع من قوله، فيتم تحديد ما هو “صحيح”، و”علمي”، و”هامشي”. فالخطاب لا يصف الواقع، بل ينتج معنى لهذا الواقع!
ففي حين يرى شتراوس أن المعنى نابع من بنية العقل، يتوصل ميشيل فوكو إلى أن المعنى نابع من علاقات القوى. فالأسطورة لم تختفِ، بل تحوّلت إلى خطاب علمي، قانوني، سياسي؛ فإذا كانت الأسطورة عند شتراوس تنظّم العالم رمزيًا، فإن الخطاب عند فوكو ينظّمه سياسيًا؛ فالمعرفة ليست نقيض الأسطورة، بل وريثتها الحديثة.
وبناء عليه، فمن الذي يمتلك أدوات إنتاج الخطاب البيئي على صعيد عالمي؟ الدول الكبرى، طبعا. لاحظوا كيف تعثرت اتفاقية باريس 1985 لخفض الانبعاثات بعد انسحاب الولايات المتحدة منها. فالبيئة هنا تتحول إلى مجال سلطة تخلق سياسات وتجمعات، وترصد التمويل، وتضع شروطا دولية، وتضبط سلوك المجتمعات عبر السردية التي تقيمها كإطارعام للمعنى الذي صاغه الخطاب المعاصر عبر أدواته الحديثة المنظّمة المرتبطة بعلاقات القوى بين دول الشمال والجنوب وفي داخلها.




