الرؤية الإسلامية للزواج كشراكة مقدّسة

#الرؤية_الإسلامية_للزواج كشراكة مقدّسة

#ماجد_دودين

في ساحة النقاش الرقمية على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، طرحت إحدى الفتيات سؤالاً بشأن الزواج وعلاقة الرجل والمرأة وكتبت:

برأيكم: من الصيَّاد ومن الفريسة: الرجل أمْ المرأة؟”

للوهلة الأولى، يصوِّر هذا التفاعل الخالد بين الجنسين كمشهد من البرية – سردٌ للملاحقة والأسر والغَلَبَة. لكن هذا التشبيه، وإن كان شائعاً ثقافياً، يقف على النقيض تماماً من الحكمة الإلهية التي يقدمها الإسلام للعلاقة بالسامية ين الرجل والمرأة. إنها رؤية لا تقوم على صياد وفريسة، بل على نفسين قُدِّرَ لهما أن يكونا مرآةً وكساءً وصاحبي رحمة لبعضهما البعض.

الأساس القرآني: السكن والمودة والرحمة

يضع الله سبحانه وتعالى أساس هذه العلاقة في آية كريمة وعظيمة فيها إعجاز للمتفكرين والمفكرين والمتدبّرين. يقول تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة الروم: ٢١

فالغرض هنا واضح لا لبس فيه: السكن والمودة والرحمة. هذه هي الأعمدة، لا ديناميكيات الصيد والافتراس والغالب والمغلوب. فالعلاقة هي الملاذ ومصدر السلام والرباط المقدس والميثاق الغليظ بإرادة إلهية. هي رباط تستريح فيه القلوب، لا أن تكون جوائز تُعلَّق على الحائط.

كما أن القرآن يصوغ مهمتهما المشتركة في الحياة على أنها دعم متبادل وتحالف روحي:

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (المائدة: ٢

فالزوجان وصفهما القرآن كحلفاء في الخير والبر، كعاملين متعاونين على بناء حياة التقوى، وشركاء في اجتياز تحديات الدنيا. إنها شراكة بين متساويين في الطموح الروحي والمسؤولية الأخلاقية.

الهدي النبوي: الإحسان والحقوق والرعاية المشتركة

لقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاغ هذه الشراكة النبيلة. لقد حطم أي تصور للتملّك أو الهيمنة والتسلّط، واستبدلها بالحقوق المتبادلة والمسؤولية الرحيمة.

وأكد على جسامة واجب الزوج قائلاً: (إِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (رواه مسلم”

وفي خطبته الجامعة في حجة الوداع، أصدر توجيهاً خالداً: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) متفق عليه

ورفع من مكانة الزوجة الصالحة قائلاً: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (رواه مسلم

وهذا الإحسان والاعتراف بالحقوق ينبعان من المبدأ الأساسي للأصل الإنساني المشترك والقيمة الجوهرية، كما يقرر الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ (النساء: ١

واقعٌ دقيق

لمعالجة لب الملاحظة الاجتماعية الكامنة في السؤال الأصلي: هناك ديناميكية جميلة، فُطرت بتدبير إلهي، تُلاحظ غالباً في طريق الزواج. فالرجل هو الذي، في الإطار الإسلامي للطلب العفيف، يأخذ الدور الفاعل المبادِر. يسعى ويُقدم ويجتهد لكسب قلب المرأة وموافقتها وموافقة وليّها.

ولكن هنا تكمن الحكمة الإلهية العميقة: بعد هذا السعي الصادق، تكون هي التي، بقبولها وحكمتها وفضلها، هي التي “تأسره” في النهاية. تسرّ وتأسر قلبه وولاءه ومستقبله، ليقودا معا الرحلة الجميلة إلى مملكة الزواج المقدسة.

في هذه المملكة الإيمانية، تقوم مراتب جميلة للحب والمسؤولية:

·         هو (الزوج) الملك: ربان السفينة ومسيّر دفّتها، يحمل المسؤولية الأولى للحماية والنفقة والرعاية (القوامة)، كما في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (النساء: ٣٤)، بكل ما يحمله ذلك اللقب من واجب جليل.. تكليف وتشريف.

·         هي (الزوجة) الملكة: قلب المنزل النابض بالحب والعطاء، ذات السلطان الكبير والكرامة في عالمها، والتي يُقاس براحة قلبها ورضاها نجاح البيت.

·         الأبناء الرعية: فلذات الأكباد وثمرات الفؤاد …يُربَّون بالحب والحنان والعدل والتوجيه.

وعلى هذه المملكة كلها، فإن الحاكمين راعيان محاسبان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (متفق عليه

فالزوج راع على أهله، والزوجة راعية على بيتها وأولادها. وهما في رعايتهما هذه شركاء أمام الله.

شركاء في الكرامة، والفَضْلُ بالتقوى

في الإسلام، علاقة الرجل بالمرأة هي ميثاق غليظ مقدس، وشراكة في بناء الأسرة – اللبنة الأولى للمجتمع. ولكل منهما مكانة مفروضة من الله، وكرامة، وحقوق وواجبات متكاملة.

إن اختزال هذا الرابط العميق الرحيم التعاوني إلى تشبيه هزيل كـ “صياد وفريسة” هو تشويه لجوهره. إنه يستبدل السكن بالتوتر، والمودة بالعداء، والرحمة بالقسوة.

فلنستعدّ السردية الأرقى. ولننظر للزواج كما وصفه الله: حصن سلام، وبستان مودة، وشراكة في التقوى. ففي النهاية، كما يذكرنا القرآن، فإن المقياس الحقيقي الوحيد للتفضيل ليس الجنس، بل ما في القلوب وما تُقدِّمه من أعمال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: ١٣

في هذه الشراكة المقدسة، لا صياد ولا فريسة – بل مسافران اثنان، يبتغيان رضوان الله، يتعاونان نحو الطريق إلى السعادة في الدنيا والجنة في الآخرة.

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) سورة النحل.

اللهم نوّر قلوبنا بنور الإيمان وعقولنا بنور المعرفة وأدخلنا برحمتك التي وسعت كل شيء … اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا … اللهم أغننا بالافتقار إليك، ولا تفقرنا بالاستغناء عنك… اللهم كما دللتنا عليك فكن شفيعنا إليك… اللهم صلّ على محمد بعدد ورق الأشجار، وبعدد قطرات الأمطار، وبعدد النجوم والشموس والأقمار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى