البيانات كأصل وطني (2):نحو “سند” أكثر ذكاءً… واقتصاد وطني أكثر توازنًا

البيانات كأصل وطني (2):
نحو “سند” أكثر ذكاءً… واقتصاد وطني أكثر توازنًا
بقلم: ليث أكثم قسوس


في مقالي السابق: “البيانات كأصل وطني: نحو نموذج أردني ذكي لإدارة الاقتصاد والمجتمع”، تحدثت عن أهمية الانتقال من مجرد التحول الرقمي إلى التحول الذكي القائم على البيانات، وعن رؤية Demographic Data Dimensions (DDD) كإطار وطني يمكن أن يعزز كفاءة الدولة، ويدعم الاقتصاد، ويحسن جودة حياة المواطنين.
وقد ختمت ذلك المقال بعبارة:
“أما عن كيفية التقاطع المفيد بين القطاعات وفروعها، وكيف لسند أن يكون سند أكبر، فللحديث بقية.”
وهنا تأتي هذه الإضافة.
اليوم، ومع التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والهوية الرقمية، تبرز فرصة حقيقية أمام الأردن لتطوير تطبيق “سند” ليصبح أكثر من مجرد منصة خدمات حكومية، بل بوابة وطنية ذكية وآمنة تدعم المواطن، وتحفّز الاقتصاد، وتعزز الثقة الرقمية، وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية والاستثمار الوطني.
“سند” كبنية ذكية متقدمة
يمكن التفكير مستقبلاً بإضافة مستويات حماية اختيارية ومتقدمة داخل التطبيق، مثل:
• بصمة الإصبع،
• بصمة الوجه،
• أو وسائل تحقق بيومترية إضافية،
وذلك ضمن أطر قانونية وأخلاقية واضحة تحفظ خصوصية المستخدم، وتمنح المواطن حرية التحكم بمستوى الأمان المناسب له.
فالغاية هنا ليست التوسع غير المبرر في جمع البيانات، بل رفع مستوى الثقة والأمان الرقمي، وتقليل احتمالات إساءة الاستخدام أو انتحال الهوية، خاصة مع توسع الخدمات الإلكترونية الحكومية والمالية مستقبلاً.
من الحكومة إلى السوق… ومن السوق إلى الحكومة
وفي الوقت ذاته، يمكن التفكير بنموذج اقتصادي وطني متوازن يقوم على تعزيز الاستثمار الداخلي المرتبط بالبيانات والخدمات الذكية، بحيث يتم تطوير بعض البنى الرقمية الوطنية من خلال شراكات أو نماذج “شبه خصخصة داخلية” مدروسة، وليس خصخصة كاملة أو نقل للسيادة الرقمية خارجياً.
والمقصود هنا هو إشراك القطاع الخاص الأردني، والخبرات الوطنية، ورواد الأعمال، والشركات المحلية، في تطوير وتشغيل بعض الحلول التقنية والخدمات التحليلية المرتبطة بالبيانات، ضمن رقابة وإشراف وسيادة كاملة للجهات الرسمية المعنية.
أي أن يبقى القرار السيادي، وأمن البيانات، وما يجب مشاركته أو عدم مشاركته، بيد الدولة ومؤسساتها المختصة، مع فتح المجال في الوقت نفسه أمام دورة اقتصادية داخلية ذكية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني والمواطن الأردني.
وبذلك، يمكن خلق نموذج استثماري متوازن:
• من المواطن إلى الحكومة،
• ومن الحكومة إلى السوق المحلي،
• ومن السوق إلى المواطن مجددًا،
في دورة تنموية أكثر استدامة، تعزز الاقتصاد الوطني، وتدعم الاعتماد على الكفاءات والخبرات الأردنية، وتقلل من تسرب القيمة الاقتصادية الرقمية إلى الخارج. بالإضافة إلى ذلك، الحفاظ على البيانات بشكل آمن سواءً إلكترونيًا (Online) أو غير إلكتروني (Offline)، بما يشمل الاتجاهات والأنماط الإحصائية عبر عدة سنوات.
مركز المعلومات الوطني والذكاء الإحصائي
يمكن لمؤسسات وطنية مثل:
• مركز المعلومات الوطني،
• دائرة الإحصاءات العامة،
• والجهات التنظيمية والرقابية المختلفة،
أن تلعب دورًا محوريًا في بناء نموذج ذكاء إحصائي ووطني متقدم يدعم:
• التخطيط الاقتصادي،
• دراسة تنافسية القطاعات والأسواق،
• تحليل الفجوات التنموية،
• توجيه الاستثمار،
• وربط التعليم والتدريب بمتطلبات سوق العمل المستقبلية.
فالبيانات حين تُدار بذكاء تصبح أداة استراتيجية لدعم القرار، وليست مجرد أرقام محفوظة داخل قواعد بيانات متفرقة.
الذكاء الاصطناعي والبطالة: تحويل التحدي إلى فرصة
ومع توسع أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، يزداد الحديث عالميًا عن احتمالية اختفاء بعض الوظائف التقليدية مستقبلاً.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
“كيف نمنع التغيير؟”
بل:
“كيف نستعد له بذكاء؟”
هنا يمكن للأردن أن يكون من الدول الريادية إقليميًا في بناء نموذج متوازن يربط بين الذكاء الاصطناعي، والذكاء الإحصائي، وتمكين سوق العمل.
فبدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي كتهديد فقط، يمكن استخدامه من أجل:
• استشراف الوظائف الأكثر عرضة للتأثر،
• بناء برامج تدريب وتأهيل استباقية،
• توجيه الشباب نحو المهارات المطلوبة مستقبلًا،
• وربط المواطنين بفرص عمل جديدة في القطاعات الحكومية والخاصة والإنسانية،
• وتحويل التحديات التكنولوجية إلى فرص اقتصادية وإنتاجية جديدة.
وبهذا، يمكن تحويل بعض السلبيات المحتملة للذكاء الاصطناعي إلى أدوات تمكين اقتصادي واجتماعي، ضمن رؤية وطنية متوازنة تراعي الإنسان والاقتصاد والاستقرار المجتمعي معًا.
الخلاصة
القضية اليوم لم تعد فقط “رقمنة خدمات”، بل بناء منظومة وطنية ذكية ومتوازنة:
• تحمي الخصوصية،
• تعزز الأمن الرقمي،
• تدعم الاقتصاد الوطني،
• وتواكب المستقبل دون فقدان السيطرة على القرار والسيادة.
الأردن يمتلك العقول، والكفاءات، والبنية المؤسسية التي تمكنه من أن يكون نموذجًا إقليميًا متقدمًا في الإدارة الذكية للبيانات والاقتصاد الرقمي.
وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم:
كيف نحول “سند” من تطبيق خدمات… إلى منصة وطنية ذكية تدعم الإنسان والدولة والاقتصاد معًا؟
كما نستطيع زيادة وعي المواطن ودراسته لسلوكه، تفعيل الموضوعية، تقليل البرمجة مثل تلك التي تتأتى عبر ذباب التفرقة، تعزيز الهوية الوطنية الدامجة، والارتقاء بالمعرفة التي تسرد المنطق وليس تمنطق أو برمجة الأمور.
فهل نستطيع تقوية البرمجيات الوطنية بالتفاعل ذو عدة فوائد بين التطبيق والمستخدم؟ (Interactive chats) وقد يكون للكلام بقية.

ملاحظة:
ما ورد في هذا المقال يمثل وجهة نظر واقتراحات تطويرية نابعة من الاهتمام بمستقبل الأردن الرقمي والاقتصادي، ومن الإيمان بأهمية الحوار الوطني البنّاء حول كيفية تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجي، وحماية الخصوصية، وتعزيز الأمن الوطني، ودعم الاقتصاد المحلي.
وكأي فكرة تطويرية، تبقى هذه الطروحات قابلة للنقاش والتقييم ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية والوطنية المختصة.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى