
الانتحار…جفاف في التعزيز مرورا بمحطة الاغتراب وصولا الى المغادرة..
ا د حسين طه محادين*
(1)
إطروحات علم الاجتماع تؤكد على أن الانسان/ الفرد هو اصغر
” ذرة “في فضاء ومعاني الحياة البشرية، وبالتالي إن بقيّ الفرد ذرة هائمة لوحدها في هذه الحياة ترابطا مع غياب كل من الوقائع والمحطات الحياتية الاتية :-
تفاعل نفس اجتماعي ومصالحي هادف ومتبادل بين الفرد والجماعة متنوع العناوين ما يُشكل تعزيزا مهما وكافيا في حياة اي منا كبشر، وبالتالي النأي به عن اي نوع من انواع الاغتراب لاسيما النفس اجتماعي منه هنا في هذا التشخيص العلمي للانتحار.
صاحب/ة طموح متبادل له مع الاخرين. وهذا ما يشير الى ما يعرف بقاء تاثيرات “خبرات الطفولة في حياتنا حتى عندما نكبُر “كما يرى عالم النفس الشهير سيجموند فرويد ؛من هنا يمكن ان نشخص علميا،لماذا بعض الافراد ورغم كبرهم في السن وتنوع تجاربهم في الحياة، ما زالوا يعيشون منذ طفولتهم الاغتراب عن محيطهم الاجتماعي تأثرا بطبيعة وسطوة نوعية تنشئىتهم الاسرية الضاغطة، فمثل هؤلاء الذين ينتحرون رغم اشغالهم مكانة اجتماعية مرموقة ، طبيب او طالب/ة يدرس طب ، محام، صاحب ثروة ، لم يعيشوا فعلا مراحل نموهم المتوازنة منذ الطفولة مرورا بالمراهقة وصولا الى احباطهم/اغترابهم عندما يكبروا ويعجزوا عن التكيف مع متطلبات تحقيق وإشباع طموحاتهم التي غُرست وغذيت لديهم منذ الطفولة عبر ضغوط ابائهم عليهم دون الاخذ بقدرات وتفضيلات أبنائهم الحرة حيال مستقبلهم مع ان هناك فروقا فردية بين الابناء لا يراعيها الابوان عادة ؛ مثل تكرار وضغط الاباء على أبنائهم قائلين “بدنا اياك تصير دكتور قدّ الدنيا، مهندس شهير..الخ دون ان يسألونه مثلا كشريك مفترض عن رغباته الحقيقية ؛ او ما هي طموحاتك/اهدافك في المستقبل “.
(3)
يجب الاعتراف هنا وبناء على سبق؛ان العديد منا ذكورا واناث، مازال -رغم تقدمه في السن- يعاني من عيشه الفردي مُنعزلا وسط العديد من الجماعات والمؤسسات الضاجة بالصخب في المجتمع متأثرا بخبرات طفولته سواء المؤلم منها او الفرِح ، وقد يجد نفسه غير متفاعل مع هذه البيئة الاجتماعية المتنوعة حوله ، والمفترض بها ايضا الا تقصر او تغفل بان تحتضنه وتعزز حضوره،نجاحاته، وان تسانده في حال تعرضه لضعف او إخفاق، او انعزال لسبب ما اثناء سعيه اليومي للتقدم نحو تحقيق طموحاته وإنضاجه لهويته الشخصية والتخصصية وفقا لمكانته الاجتماعية من وجهة نظر وتصنيفات المجتمع الذي يعيش فيه مثل”طالب علم واعد في المستقبل ،معلم،
طبيب،مهندس، مسؤول،ثريّ او فقير،متعلم او امي الخ.
(4)
لعل من المفيد التذكير هنا ايضا ان ايّ من هذه التصنيفات واهميتها بالنسبة للفرد وطموحاته تبقى قاصرة عن تحقيق توازنه اذا لم ترتبط بالتعزيز النفسي، ولو بصورة متقطعة من قِبل بيئته المحيطة التي يعيش في كنفها، لان غياب مثل هذه التفاعلية بين الفرد والجماعة
انما ستقود الى رغبة كامنة لدى الفرد حتى وان كان ناجحا بتخصصه العملي في الانسحاب من هذه البيئة غير المحفزة والمُطئنة له دون ان ننسى علميا؛ ان جذور هذا النوع من الاغتراب الذي قد يفضي الى الانتحار عند الكبار
إنما تتشكل بذوره لديهم منذ الطفولة؛ إنطلاقا من بيئة اسرهم وعيا وتعزيزا للابن/ه كون الاسرة تمثل المحطة الاولى لتربيته وتعليمه مهارات الحياة، وكيفية تفاعله المرّن مع الاخرين كي ينال منهم دعما هادفا من تعزيزا لسعيه نحو تحقيق طموحه في الدراسة، او العمل او حتى الابداع لاحقا، اضافة الى ان مثل هذا التفاعل المتبادل والضروري بين الفرد ومحيطه الانساني ، سواء في تبادل المشاعر او الاسناد الاجتماعي له ومعه في الاتراح والافراح مع التعزيز الايجابي كضرورة ملحة لنموه الطبيعي.
ان غزارة التعزيز وديموته ولو بصورة متقطعة؛ انما يُقلص من شعور الفرد بأنه منعزل او معزول ذاتيا او موضوعيا عن الاخرين واقعا وطموحات والتي تتاثر بادوار ونجاح
عضويته ودرجة حضوره بالتتابع في كل من مؤسسات المجتمع سواء في المدرسة،الجامعة ومدى تفاعله المتبادل مع وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي والمؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني الاخرى.
(5)
اخيرا…إن هذا التشخيص العلمي يشترط نجاح الاهل/الاسرة في اكساب الفرد ذكرا ام انثى مهارات الحياة المتوازنة والمرنة عقليا وسلوكيا، مثلما يُعبر عن مدى وعينا بتاثير نوعية انماط التنشئة التي تشربها الفرد في طفولته،سواء اكانت منفتحة او منغلقة على تنوع احوال المعيشة في مسيرة الحياة ، واذا ما اخفقت تنشئته عبر إكسابه مهارات عقلية متوازنة ؛ فكرا وتصرفات حياتية راشده ، إذ بغياب هذا الوعي عند الوالدين بضرورة مراعاتهم لخيارات وقدرات ابنائهم منذ الطفولة فأنهم يساهمون ضمنا في عدم قدرة الابناء على التكيف لاحقا مع تحديات ومتطلبات النجاح في حياتهم ما يدفع بعض الابناء المتعلمين غالبا الى استسهال مغادرهم الحياة بصورة مفاجئة لنا جميعا عبر انتحارهم تعبيرا رافضا منهم لبُخلنا نحن المحيطون بهم في أهمية اظهار مشاعرنا المعززة لهم في جل الاوقات كي يتغلبوا على وحدانيتهم رغم عضويتهم الظاهرية في العديد من المؤسسات الاجتماعية والتنظيمية المُتلبدة المشاعر نحوهم …لنكن كرماء في المشاعر كما نحن في الطعام كل حسب امكانياته المتاحة والواعدة بالكثير نحو الاخرين كي لا نفجع بمغادرتهم دون سابق احساس بمعاناتهم يا للوجع.
*قسم علم الاجتماع -جامعة مؤتة -الأردن.




