
#سواليف
في أزقة غزة المدمّرة، لم تعد الأنقاض مجرد شاهد على القصف، بل تحوّلت إلى مصدر رزق أخير لعائلات أنهكتها الحرب والحصار. وبين ركام البيوت والأسقف المنهارة، يخوض عشرات الشبان والرجال يوميًا عملاً شاقًا يتمثل في تكسير الخرسانة واستخراج أسياخ الحديد منها، لإعادة بيعها أو استخدامها في تدعيم الخيام التي تؤوي النازحين، في مشهد يعكس كيف فرضت الكارثة على الغزيين ابتكار وسائل جديدة للبقاء.
وفي ساعات الصباح الأولى، يحمل العمال أدوات بدائية من مطارق ومعاول، ويتجهون نحو المنازل المدمرة. هناك، يبدأون بتكسير الأسقف الإسمنتية قطعةً قطعة، في محاولة للوصول إلى قضبان الحديد المدفونة داخل الخرسانة. العملية مرهقة وخطيرة، إذ تتطلب الوقوف فوق أبنية متصدعة قد تنهار في أي لحظة، لكن الحاجة إلى المال تدفعهم إلى مواصلة العمل رغم المخاطر.
ويقول إبراهيم سعدالله، أحد العاملين في هذا المجال، إنّ استخراج الحديد أصبح “مهنة اضطرارية” بعد فقدان مصادر الدخل التقليدية.
وأضاف لـ”قدس برس”، أن بيع الأسياخ المعدنية يوفر الحد الأدنى من المال اللازم لإعالة أسرته وشراء الطعام والماء.
وتابع أن بعض الحديد يُباع لتجار الخردة، فيما يُعاد استخدام جزء كبير منه في تثبيت الخيام المهترئة التي لا تصمد أمام الرياح والأمطار.
وأوضح سعدالله أن عملية تكسير الأسقف المدمرة واستخراج الحديد منها تتطلب جهدًا ومشقة كبيرين ينهكان الجسد، مشددًا بالقول: “نحن مضطرون لهذا العمل لتوفير قوت أبنائنا ومتطلباتهم المعيشية”.
ومع اتساع رقعة النزوح وازدياد الحاجة إلى مواد بسيطة لبناء مراكز إيواء مؤقتة، ارتفع الطلب على أسياخ الحديد المستخرجة من الركام، خاصة أنها تمثل بديلاً متاحًا في ظل ندرة مواد البناء ومنع إدخال كثير من الاحتياجات الأساسية إلى القطاع.
ويؤكد المقاول فريح نصر أن تكسير الأسقف المدمرة واستخراج أسياخ الحديد يُعد من الأعمال الشاقة التي لا يستطيع الجسد الغزي، المنهك بفعل المجاعة، تحملها بسهولة.
وقال نصر لـ”قدس برس”: “يبدأ العمال يومهم بالبحث عن منزل مدمر يمكن العمل داخله، فبعض المنازل لا يمكن الاقتراب منها بسبب قربها من الخط الأصفر”.
وأضاف أن ما يقوم به العمال يتطلب ساعات طويلة، وربما أيامًا، من تكسير الكتل الإسمنتية الثقيلة للوصول إلى القضبان المعدنية العالقة داخلها.
وتابع أن العمل شاق ومحفوف بالخطر بسبب احتمالية انهيار أجزاء متبقية من المباني، لكن غياب فرص العمل الأخرى يجبر العمال على الاستمرار.
وأوضح نصر أن الأمر لا يقتصر على استخراج الحديد فقط، بل ظهرت حول هذه المهنة البسيطة سلسلة من الأعمال الصغيرة؛ فهناك من يتولى نقل الأسياخ، وآخرون يعملون على تنظيفها وتقويمها لتصبح قابلة للاستخدام مجددًا.
وبهذه الطريقة، خلق الركام اقتصادًا بديلًا فرضته الحرب، يعتمد على إعادة تدوير آثار الدمار وتحويلها إلى أدوات للبقاء.
من جهته، أكد المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يحدث في غزة يتجاوز فكرة “إعادة التدوير” بالمعنى التقليدي، قائلاً: “نحن أمام ولادة اقتصاد موازٍ تشكل تحت ضغط الحرب والحصار وانهيار السوق الرسمي. ففي الوقت الذي تتعطل فيه سلاسل الإمداد، وتختفي المواد الخام، ويتوقف الاستيراد، تبدأ المجتمعات تلقائيًا في إنتاج بدائلها الخاصة مهما كانت بدائية”.
وأضاف أبو قمر لـ”قدس برس”: “في الاقتصاد توجد قاعدة واضحة مفادها أن الندرة تعيد تعريف قيمة الأشياء، وهذا ما نراه بوضوح في غزة. فالركام، الذي يُقدّر بنحو 68 مليون طن، لم يعد مجرد مخلفات حرب، بل تحوّل إلى أصل اقتصادي قابل للتداول والاستخدام”.
وأشار إلى أن الحديد المستخرج من الأبنية المدمرة أصبح مادة خام، كما دخلت الأخشاب التالفة في دورة إنتاج جديدة، وحتى البلاستيك المحترق بات جزءًا من سوق بديل نشأ خارج الأطر الطبيعية للاقتصاد.
وشدد على أن الأخطر والأكثر دلالة هو أن الحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل أعادت تشكيل هيكل السوق نفسه، فبدلاً من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والخدمات، يتشكل تدريجيًا اقتصاد قائم على استخراج الموارد من الدمار وإعادة توظيفها.
وأوضح أن هذا النوع من الاقتصادات يظهر عادة في مناطق الحروب الطويلة والدول المعزولة، حيث تتحول المخلفات إلى موارد، وتصبح القدرة على الإصلاح أهم من القدرة على الإنتاج.
وختم أبو قمر بالقول إن هذه الظاهرة تحمل بعدين متناقضين؛ فهي من جهة تعكس مرونة المجتمع وقدرته على التكيف، ومن جهة أخرى تكشف حجم الانهيار الاقتصادي، لأن الاقتصاد الطبيعي لا يُبنى على تفكيك الأنقاض لإعادة إنتاج الحد الأدنى من الحياة.
وأضاف: “غزة اليوم لا تعيش اقتصاد تدوير بالمعنى البيئي، بل تعيش اقتصاد نجاة يُدار بما تبقى من مدينة مدمرة”.
