
أربع #أمنيات_مستحيلة
#ماجد_دودين
في هذه الحياة الدنيا، تتحرك رغبات الإنسان بين ما يُمكن تحقيقه، وما يصطدم بسقف المستحيل. ولكن ثمة أمنيات ستُطرح يومًا في ساحة الحساب بعد يوم القيامة وصدور النتائج، ستكون يأسًا محضًا، وندمًا لا فائدة منه، وحنينًا إلى فرصة لن تعود حتى يعود اللبن في الضرع أو يدخل الجمل في سمّ الخياط. تلك هي الأماني التي سينطق بها أهل النار، فيكتشفون – وقد فات الأوان – أنها أمانٍ لن تُستجاب أبدا.
فالدنيا هي دار العمل والاختبار، والآخرة هي دار الجزاء والحساب. وما ينطق به المحرومون الخاسرون في نار جهنم هو دروس عظيمة لنا اليوم، قبل أن يحلَّ ذلك اليوم العصيب… ولات حين مندم.
١. أمنية العودة: “رَبِّ ارْجِعُونِ“
حين يستقر بأهل النار المقام في العذاب، وتنكشف الحقائق التي كانوا عنها غافلين، يتمنون رجعة واحدة إلى حيث كانت الفرصة متاحة، فيصرخون من أعماق الندم: {رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99-100]. إنها لحظة الإدراك المتأخر، حيث يكتشف المرء أن ما تركه من أعمال صالحة كان هو رأس ماله الحقيقي. ولكن قد فات أوان الرجوع، وأُغلقت أبواب التوبة، وطُويت صفحة الدنيا إلى الأبد.
٢. أمنية التنفيس: “يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا“
عندما يزداد سعير النار وتشتد وطأة العذاب، يتجهون باحثين عن أيّ مهرب، فيتوسلون إلى خزنة جهنم: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ} [غافر: ٤٩]. يطلبون يومًا واحدًا من الراحة، لكن الجواب يُسدل الستار على أملهم: {قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50غافر}، لقد ضيعوا أيامًا كانوا فيها مخيرين، لكنهم غلبت عليهم شقوتهم
(حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) سورة المؤمنون
٣. أمنية الفناء: “لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ“
عندما يتعاظم الألم ويبلغ الذروة، يتحول الأمل من الحياة إلى الموت، فينادون: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: ٧٧]. إنها أمنية اليائس الذي لم يعد يطيق الوجود، فيطلب الفناء رحمةً. لكن الجواب قاطع: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}، فالعذاب سرمدي، وحتى الموت أصبح أمنيةً بعيدة المنال.
٤. أمنية النظر أو الكلمة الرحيمة: “أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ“
يصل بهم الحرُّ مبلغًا، فيتطلعون إلى نعيم أهل الجنة، ويتوسلون: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)} [الأعراف]. لكن النعيم محرم عليهم، ولو كان قطرة ماء. بل إنهم يُحرَمون من أسمى أمنية: نظرة رحمة أو كلمة تخفيف من الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) } [البقرة]. إنه الحرمان النهائي من رحمة الرحيم.
تذكرة قبل الندم
هذه الأماني الأربع ليست مشاهدَ خيالية، بل هي حقائق أخبرنا بها القرآن الكريم لتكون نورًا نرى به طريقنا. إنها تذكير بأن الدنيا دار عمل، وأن الغد قد لا يأتي، وأن الفرصة قد تنقضي فجأة.
فلنغتنم أيامنا قبل أن تصبح أمنياتنا يائسة. ولنجعل القرآن رفيقنا في هذه الدنيا، قبل أن يشهد علينا يوم القيامة. فاليوم عمل بلا حساب، وغدًا حساب بلا عمل.
قال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه : حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا، فإنَّه أخفُّ عليكم في الحسابِ غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ وتزيَّنوا للعَرضِ الأكبرِ، كذا الأكبرِ { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}.

