Td دوشان / د. محمد الزغول

Td دوشان

د. محمد الزغول/ أبوظبي/ مارس 2016
اقتربَ مني بخجل وتردُّد .. انحنى حتى ظننتُه يريدُ أنْ يهمسَ لي بسرٍّ ما. تحدّثَ بلغة عربية مُكسَّرة، لكنّها بالغة التأدُّب؛ أظهر رغبتَهُ بالجلوس إلى جانبي، وتبادُلِ أطراف الحديث معي. كُنّا قد صعدنا على سطح السفينة التراثية بالغة الجمال بعد أن تناولنا عشاء اليوم الأخير من المؤتمر في ردهتها السفليّة. بالنّسبة لي كان أُسبوعاً مُضنياً ومُمتِعاً في آن، ولذلك أحسست برغبة كبيرة بالاحتفال لإعلان انتهائه، كنت أمازح زملائي وزميلاتي بصوت مرتفع، ونضحك بشكل هستيري.
لم يحاول أن يلفتَ انتباهي، جلسَ مُنتظراً حتى أفرغ له. لاحظت ذلك فاستدرت قليلاً نحوه، وأعدت الترحيب به. شكَرَني، وأظهر إعجابه بما ورد في مُداخَلتي في المؤتمر هذا الصباح، لم تكن مُجاملةً عابرةً كالمُعتاد في مثل هذه المناسبات، كان يُصرّ على توضيح ذلك. سألته من أي بلد أنت؟ وما هي طبيعة عملك واهتماماتك؟ فقال إنّه موظف في السفارة السلوفاكية، وأنه تعلّم القليل من العربية خلال سنوات عمله في أبوظبي. في الواقع لم يكن ما تعلَّمهُ قليلاً بتاتاً!!.
تحدّث عن بلده بطريقة مُدهشة؛
– نحن بلد قليل الأهمية في هذا العالم الكبير، إسهاماتنا مُتواضعة، وليس لنا دورٌ كبير في معادلات القوّة والتأثير، خاصة في هذه المنطقة من العالم، الشرق الأوسط ساحة صراع للمشاريع الكبرى والقوى العظمى، أما نحن فلا نسعى إلّا إلى تحسين علاقاتنا التجارية والاقتصادية مع دول المنطقة ما أمكنَ ذلك.
ثم طلب مني أنْ أشرح له بعضَ ما جاء في مُداخلتي الصباحية، أشياء عن جذور ومستقبل الخلافات العربية.الإيرانية، والفرص الاقتصادية التي يُمكن أن يوجدها الاتفاق النووي، وبالطبع عرّجنا على الإرهاب، وأمراض الدولة الوطنية في الشرق. وفي كل ذلك كان يستفسر ويُدوِّن ويستقطع مثل طالب نجيب.
– ما سرُّ اهتمامكَ بكل هذه التفاصيل؟ .. قُلْتَ لي إنه “لا ناقة لكم ولا جمل” في صراعات الشرق المخيف، فلمَ كل هذه الرّغبة في المعرفة؟ سألته مُستنكِراً.
– اقتصادنا يعتمد بالدرجة الأولى على الصناعة؛ الصناعات الثقيلة، ووسائل النقل، والصناعات الكيميائية، والنسيج وغيرها، نُنتجُ حوالي مليون وسيلة نقل خفيفة وثقيلة سنوياً، واتجهنا في السّنوات الأخيرة إلى تجميع السيارات الفارهة من أشهر الماركات العالمية؛ بورش، مازيراتي، فولكس فاجن، بوغاتي .. وغيرها. هذه المنطقة سوق مهمّ بالنسبة لنا، وأسعار الطاقة تُحدِّد الاتجاهات المستقبلية لاقتصادنا.
– ماذا عن صناعة الأسلحة؟ في العهد السوفياتي كنتم ضمن تشيكوسلوفاكيا الكبيرة، مصنع السلاح والذخيرة الضخم.
– لا نزال أيضاً نُنتج كماً من الأسلحة، خاصّة الفردية منها، وقد طوّرنا صناعاتنا بحيث تُناسب المخاطر الأمنية الجديدة في العالم، خاصة الإرهاب.
أثار الرجل فضولي، استأذنت بدعوى قضاء حاجة، وما إن أدرت ظهري، حتى لجأت إلى صديقي الأقرب (Google)، سألته عن حجم اقتصاد سلوفاكيا، أخبرني أن حجم الناتج المحلي فيها حوالي 120 مليار دولار. يا للصدمة!! لا أدري لماذا تداعت صورة المسؤول الأردني إلى ذهني. ناتجنا المحلي الإجمالي 8 مليارات، ونريد أن نُغيِّر العالم! سلوفاكيا عضو في “الاتحاد الأوروبي” وفي حلف “الناتو”، والرجل يقول: نحن دولة قليلة الأهمية؟!
آه يا (دوشان) لو تعرف كم أوجعتني! .. قلت في نفسي، وعدت إلى الرجل.
أردت أن أُغيِّر مسار الحديث، لفتُّ انتباهه إلى هبّات النسيم البحري العليل، فنحن في أواخر فصل الشتاء، أجمل الفصول في أبوظبي. دعوتُه لاغتنام اللحظة على طريقة المعرّي والخيّام، استشهدتُ برباعي للخيّام، حدّثته عن أشعاره التي تعكس روح الالتصاق الحضاري بين العرب والفرس، فأدهشني (دوشان) بما يعرف عن الخيام، لكنه نبّهني إلى أن هذا (الالتصاق) ليس دليلاً على الودّ مُطلقاً.
لمَ لا تتوقف عن تعذيبي يا (دوشان)؟! هل أعترفُ لك بأنني لم أقرأ نصّاً واحداً مُترجماً عن السلوفاكية من أي نوعٍ كان. أنا أصلاً لا أعرف شيئاً عن بلادك (قليلة الأهمية كما ذكرتَ).
– لماذا ترتدي البدلة الرسمية؟ .. جولة العشاء هذه ترفيهية، ولا مانع من ارتداء الملابس الاعتيادية. (رغبتي في الانتقام ربما هي التي تحدّثت).
– أنا في عمل، لست أحضر بصفتي الشخصية كباحث أو مشارك مثلكم، تعليمات السفارة تفرض ارتداء الزيّ الرسمي أثناء العمل.
(تلفّتُ يُمنةً ويُسرة، بدأ الضيوف بالاستعداد للنزول، وعليّ أن أكون في وداعهم)
– حسناً، شارفت السفينة على الوصول إلى المرسى. يجب أن نستعدّ للنزول. سعدتُ كثيراً بالتعرُّف إليك، وأرجو أن نلتقي مرّة أخرى. هذه بطاقتي .. ولا تتردّد بالاتصال في أي وقت.
– شكراً لك، بالتأكيد سأفعل، فأنا لا أضيع فرصة للتعرف إلى أصدقاء جُدد، هل يمكن أن أعطيك بطاقتي أنا أيضاً؟.
– بكل سرور. نظرتُ في البطاقة، كُتِبَ تحت اسمه بخط صغير جدّاً: سفير. (لا سعادة ولا معالي ولا حتى أل التعريف).
– أنت إذاً سعادة السفير. لماذا قلت لي إنك موظف في السفارة؟
– لم أقل شيئاً خاطئاً، أنا موظف في السفارة. أليس السفير موظفاً؟!
(أطاح بي (دوشان) بالضربة القاضية)
– إلّا في بلادي يا (دوشان).. قلتُها، ولكن لم يسمعها. خرجت مُضطربةً خجلى فتاهت في الطريق إلى أذنيه، .. ولم تصل.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق