الإسلام السياسي بعد 11 سبتمبر

د. زهير توفيق – تمر الذكرى العاشرة لأحداث الحادي عشر من أيلول والمنطقة في مخاض عسير يتمثل في الانتفاضات والثورات العربية ضد الاستبداد والتسلط، وأبرز ما يميز هذه الثورات كونها ثورات شعبية تستهدف الحرية والعدالة والكرامة بعيدا عن الأيديولوجيا والنخب التي تصدرت المشهد السياسي، سواء كانت إسلامية أو ليبرالية أو يسارية، والخاسر الأكبر في هذا الحراك هو التيارات الأصولية الإسلامية، وهي التيارات التي لا تقيم وزنا للحراك الشعبي العام، وتراهن على فاعلية قلة قليلة من المحترفين الراديكاليين لقلب الأمور رأسا على عقب، وهذا ما ثبت بطلانه وعزلته وفشله الذريع، وقد أدخل “الربيع العربي” الحركات الأصولية مرحلة خريفها بعد ازدهارها وبلوغها الذروة مع تنظيم القاعدة وعمليات 11 أيلول.
لقد أثبتت الشعوب العربية قدرتها على كسر الثنائية الضدية؛ إما الاستبداد وإما الإرهاب الأصولي، واختارت طريقا ثالثة بالنضال الشعبي والسلمي لتحقيق الحرية والديمقراطية والحياة الأفضل.
لقد كانت أحداث 11 أيلول بمثابة البرهان التجريبي على مصادرات الأنثروبولوجيا الثقافية الراهنة في الغرب حول طبيعة العرب والمسلمين، وقد حملت تلك المصادرات الصور النمطية، وتجاوزت الحقائق بالخيال الخصب، وشكلت في ما بعد منظومة كاملة غذّت دوائر أكاديمية وشعبية رسمية وغير رسمية، معنية بشؤون الشرق الأوسط والعرب والمسلمين، وتحول أصحاب هذه المصادرات إلى مستشارين لإبداء الرأي واقتراح الإستراتيجيات الواجب أتباعها لدرء الخطر القادم من الشرق.
وفي المحصلة، تحول العربي المسلم من إنسان مسكين إلى مشبوه، ولم يعد التعاطف الغربي مع اللاجئين والمضطهَدين ذا قيمة وأولوية؛ بل أصبح ورطة تستحق الاستدراك والمراجعة، وهذا ما حصل في كل دول الغرب، التي أعادت النظر في قوانين الهجرة واللجوء والجنسية والإقامة والزواج، خصوصا بعد أن أثبتت الأحداث اللاحقة تورط الكثير من المهاجرين في شبكات أصولية وإرهابية، أو انكفاء الكثير منهم في معازل خاصة تعادي الاندماج والحداثة الغربية، وتتنكر لأصول التعايش والتسامح والضيافة.
العنف البالغ والتنظيم المتماسك لتلك الأصوليات لا يعكس تماسكاً على صعيد المنطق والخطاب، فالعنف الأصولي الأعمى الذي تَعَوْلَمَ وضربَ هنا وهناك، لا يجد حجّيته لا بالإسلام ولا بالعقل، ولا يمتلك أي مسوغ سياسي أو أخلاقي لتفسيره بالطرائق والغايات التي يستهدف تحقيقها، ولا يجد معناه وجدواه إلا في أذهان أصحابه، ولا يفسَّر إلا بالمرجعيات السلفية المطلقة التي لا تقيم وزناً لما هو نسبي ومتغير وتاريخي في الوجود، لا على صعيد الممارسة، ولا على صعيد النظرية، بل هو بسط خطابه، وتنازل عن حقوق المنطق في المجتمعات العربية، لتعميمه وتحويله إلى خطاب تعبوي قسمَ العالم قسمةً مانويةً بين الخير المطلق في الأذهان، والشر المطلق في الأعيان.
ونظراً للاستبداد وغياب التنمية السياسية كمفهوم وممارسة مجتمعية مقصودة بسبب غياب أدواتها وآفاق تحقيقها في المدرسة والجامعة والحزب ومؤسسة المجتمع المدني، وإضافة للإحباط واليأس والإفقار وتفكك البنى السياسية القومية واليساروية وتآكل شرعيتها الشعبية، لم تجد الفئات الشعبية والشباب إلا الدين ليتحول إلى عزاء وأيديولوجيا تعبوية، بل وثقافة لتجاوز ذاتها وأوضاعها المأساوية، والتعلق بمثُلِه المطلقة لتحقيق العدالة المفقودة، وتحولت الصراعات الطبقية والاجتماعية إلى صراعات دينية، وتحولت الآفاق والحلول إلى حلول ميتافيزيقية غذّتها صورة الإسلام المعياري، الذي لا يمت للواقع التاريخي بصلة، وتحولت معطيات الإسلام المعياري إلى حقائق مطلقة مُتَبَنْيِنَة (أعيد بناؤها من جديد) اختزلت نفسها في ذهن الأصوليين إلى شعارات ونداءات إلهية تستحق الشهادة لتحويلها إلى واقع مطابق للمعايير المقدسة، بصرف النظر عن المفارقات التاريخية والتحولات النوعية في حياة العرب والمسلمين منذ القرن الأول الهجري وحتى اليوم.
لذلك، كان الخطاب الأصولي، وما يزال، خطاباً إرادياً أخروياً يستهدف إزالة الشر المطلق وتضييق الشريعة بأي ثمن، ورفع شعاراته كالرايات، وهي في مجملها شعارات فضفاضة وأحكام عامة وأوهام لا تجد طريقها للتطبيق إلا بإلغاء الواقع نفسه. أما على مستوى الخطاب نفسه الذي لا يحاور إلا ذاته، فيعج بالمفارقات والمتناقضات التي تلغم الخطاب من أساسه، فهو خطاب خارج العصر لأنه خارج على التاريخ وليس منه، متنكر للحقائق الدينية والفكرية بين الثقافات والأديان كحقائق نسبية فَرضت بالضرورة على أصحابها سياسات التعايش السلمي والاعتراف بالآخر وطورت مفهوم التسامح الذي كان ينطوي على معنى الاستعلاء إلى مفهوم الاحترام المتبادل.
لذلك، استنفرت الأصوليةُ الجهادية الأصولياتِ الغربيةَ، كالمسيحية المتصهينة والفاشية، وكُرْهَ الأجانب والحركات اليمينية العنصرية التي تدعو لطرد المسلمين وتحويل الغرب إلى قلعة مواجهة مع الآخر لحماية ثقافته وحضارته، وعدم المساومة على القيم الغربية في صراع الحضارات، وانتشار رهاب الإسلام أو “الإسلام فوبيا” في الغرب.
ومن جهة أخرى، أثبتت الحركة الأصولية من خلال تحالفاتها وتكتيكاتها، أنها حركة انتهازية تتحرك بتجريبية بلا مبادئ مقنعة، أو أخلاق متماسكة إنسانية وكلّية، فكل شيء مباح عندما يتعلق الأمر بتحقيق أغراضها، ولتبرير ذلك تدور عجلة التأويل والتحليل لمصلحتها، وفي ظروف أخرى توحد نفسها بالإسلام لإكساب خطابها طابع الإسلام نفسه بإقصاء المعاني والتأويلات الأخرى التي ترفع في وجهها شعارات التكفير والإقصاء، وهي قادرة بفعل هذه الآليات والأقيسة على حل المشاكل الدنيوية كافة، وتبسيط أعقد القضايا والمعضلات، كتقديمها عند قتل المدنيين والأبرياء التفسير الذي لا يجد صداه إلا في أحلك وقائع الإسلام التاريخي والصراع المذهبي. فعند فرقة الأزارقة الخوارج، وللتدليل على ازدواجيتها الأخلاقية، نراها تحتج على أدنى ممارسة خاطئة يقترفها الغرب؛ في حين أنها ارتكبت الجرائم بحق الأبرياء في الشرق والغرب، وأعلنت في ما بعد بنبرة اعتذارية أن الإسلام دين التسامح والحوار.
وما تزال الأنظمة والمجتمعات العربية في وضع لا تُحسد عليه من استفحال الظاهرة الأصولية والسلفية الراديكالية، وتمر بمرحلة انتقام التاريخ بالمعنى الذي قصده الفيلسوف كانط ومفاده: عندما يعمّ الاستبداد ويُمنع الناس من الحرية والمشاركة في العمل العام، يعمّ الفساد، ولا يجد الأمير إلا القوى الرجعية لملء هذا الفراغ، ويأتي اليوم الذي تنقلب فيه العلاقة بين الأمير والحليف إلى الضد، ويتناقض التقدم مع النظام الذي لا يجد من يعينه في وضعه الجديد، فالقوى القادرة على التصدي قد حُطمت بفعل الاستبداد، وما تبقى منها فقدَ قدرته على الاحتمال والبقاء والاستمرار، وفي النهاية فالناس إما عازف عن المشاركة، أو متهالك.
هذا ما حصل ويحصل للأنظمة العربية التي دعمت واعتمدت على الأصولية والسلفية لمحاربة اليسار في كل مكان، وعلى جميع الجبهات إبان الحرب الباردة، حتى أثخنت المجتمع بالجراح، وعندما انقلبت عليها وجدت تلك الأنظمة نفسها في العراء بلا شرعية ولا قوة لا من اليسار الشعبي، ولا من الليبرالية الأصيلة، وبالتالي فقد انسحبت هذه القوى من المعركة المجتمعية واستحقاقها الثقافي والحضاري، وتركت المجتمع الأهلي والمدني فريسة للأصولية والسلفية، أما الأنظمة فقد حمت نفسها بالنار والحديد، وبالتالي فالإرهاب الأصولي والاستبداد السياسي وجهان لعملة مغشوشة واحدة، انقلبت على إثرها الشعوب العربية ضد طغاتها وجعلتهم جميعا في مهب الريح من المحيط إلى الخليج.
لقد عولمت أحداث 11 أيلول الإرهابَ الذي أثبت قدرته على تخطي الحواجز الجغرافية والحضارية، فهو على استعداد للضرب في كل مكان، وتحويل كل شيء إلى أهداف نموذجية مبررة، من برج التجارة إلى أعراس عمّان.
وهنا لا بد من التنويه إلى أن الوسائل في العمل السياسي لا تبرر الغايات، بعكس ما هو شائع، وكل ما تفعله هو تحديد طبيعتها، وهذا الموضوع مثّلَ الغائب الأكبر في الحركة الأصولية كحركة إرادوية أخروية تحركها مُثُلٌ ميتافيزيقية، وأوهام لا تقوى على حملها وترجمتها على أرض الواقع، وتعجز عن تعيين أو اشتقاق أهداف ملموسة مبررة أخلاقياً وعقلانياً حتى يمكن ترويجها والدفاع عنها، فنقطة الارتباط الأهم في جدل الوسائل والأهداف في النضال والجهاد، هي مشروطيّة قيْمة الوسائل للطابع الأخلاقي للهدف الذي يستخدم الوسائل لتحقيقه، وكل المسوغات المطروحة لتبرير وسائل لا أخلاقية ولا عقلانية تعني في الواقع الملموس منح تلك الوسائل الإجرامية خاصية لا توجد فيها أصلاً من حيث الدلالة الأخلاقية.
ولا يعني ذلك أيضاً إلا إلغاء الأخلاق من الممارسة في اختيار الوسائل تحت مبررات واهية وتضليل سياسي محكم، وردّ ذلك إلى سمو الرسالة وقدسية الأهداف التي تبرر أي وسيلة يمكن استعمالها أو اتباعها.
ومن الناحية الأخلاقية الموضوعية، ننوه في ما إذا تطلّب تحقيق الهدف المباشر دفع ثمن باهظ يؤدي إلى تقويض الطابع الأخلاقي للهدف الأسمى، كتحرير فلسطين وتطبيق الشريعة على سبيل المثال، فإن تلك الوسيلة يجب رفضها والتخلي عنها لأنها فاقدة للتسويغ الأخلاقي في العمل السياسي، لأن اختيار وسائل غير أخلاقية يعني أنها غير فعّالة أو أنها وسائل لتحقيق أهداف مضللة وخارج سياق التاريخ والتراكم النضالي للشعوب، ولا تعني إلا انحطاط مستوى القيادة والكفاءة في اختيار الوسائل، وانحطاط مستوى الأهداف التي يجب أن تطابق الوسائل بصرف النظر عن المماحكات اللفظية والشعارات المضللة عن الأخلاق.
وليست التصفية الذاتية لأخلاقية الحركة الأصولية وتعريتها وتفكيك بناها المعرفية إلا مقدمة لتصفيتها الواعية سياسياً وفكرياً من ذاكرة الشعوب العربية عندما تنهض وتعي مصالحها الحقيقية وتتمثل أدواتها النضالية المادية التاريخية، وتعمل من أجلها لتحقيق فردوسها الأرضي بعيداً عن المثالية والميتافيزيقيا. وهذا ما نراه ماثلا أمامنا بالربيع العربي.

أ.ر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى