مناط الدين / د. هاشم غرايبه

مناط الدين

كل الموجودات المعروفة تشترك في أن لكل منها سمات معينة، لكن الكائنات الحية منها رغم أنها مادة في تركيبها، لكن لا يمكن صنعها لذلك تسمى مخلوقات، ومع توصل الإنسان الى معرفة مكوناتها الكيميائية الأولية، إلا أنه لا يمكنه إعطاءها الحيوية، وهي الولادة والنمو والتكاثر و القيام بالوظائف المحددة وأخيرا الموت.
وعرف الإنسان أن التكون الأولي (الولادة) ليس مقدرة ذاتية في الكائن ولا هي بإرادته أو إرادة كائن آخر، وأن هنالك شيئأ غير منظور (الروح) يحل في هذا الكيان المادي فيعطيه الحيوية وعندما يغادره تنتهي فيموت ثم يتحلل الى العناصر الأولى التي تكون منها.
ولاحظ الإنسان أن جميع المخلوقات بلا استثناء تولد ولديها معلومات مخزنة فيها، توجهها بما يحقق لها احتياجاتها من غير تعليم ولا تدريب، فمنذ أن يكتمل نمو أي كائن يباشر فورا في أداء وظائفة المحددة له ضمن منظومة متكاملة مع وظائف الكائنات الأخرى بلا اختلاف أو نكوص أي منها عن وظيفته.
لذلك فمن المنطقي أن يعتقد العاقل أن هذا النظام الكوني الدقيق لا بد من صنع خالق قدير، ومن سفاهة العقل الإعتقاد بأنه أمر عشوائي وتكوّن بالصدفة، كما أن تطابق أنظمة المخلوقات وإن تباينت أدوارها، يؤكد أن موجدها واحد وإلا لتضاربت.
الإنسان كونه الكائن العاقل بينها جميعا، وظائفه ومهامة متميزة ومتعددة، ومن أهمها الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، لذلك فالمعلومات المسبقة المخزنة فيه (الفطرة) كان أحدها التدين، بمعناه الإيماني، ومتطلبه في فعل الخير وترك الشر.
منذ وجد البشر كانت هذه الفطرة تدفعهم للبحث عن الخالق، اعتقدوه بداية أنه أحد هذه القوى الطبيعية الجبارة، لكن مع تطور معارفهم توصلوا إلى أنه غير منظور لهم، عند هذه المرحلة أنزل الله عليهم رسالاته ليهديهم لمعرفته، وفي مرحلة متأخرة من عمر البشرية وعندما تأهلت قدراتهم وتوسعت مداركهم، بدأ بإنزال الدين متدرجا في التشريعات الى أن استكمله تماما في الرسالة الختامية.
اختلف المتدينون في فهمهم لما يتوجب عليهم فعله لتحقيق الغاية من هذا الدين، وانقسموا الى ثلاثة:
الفريق الأول يرى أن الدين ما وجد إلا بهدف عبادة الله والتقرب إليه بالطاعات وترك المعاصي.
والثاني يرى أنه الوسيلة الوحيدة لكسب الحسنات بهدف الفوز بالجنة في الحياة الأخرى، لذلك فهو لا يعبأ بالدنيا ولا يهتم بأهلها.
أما الثالث فهو يعتقد أن الله أنزل للبشر هذا الدين ليكون منهاجهم في حياتهم وتكون الشريعة دستورهم.
لا شك أن الفرقاء الثلاثة يبتغون رضى الله وأن يكونوا من عباده الصالحين، ويسعون للفوز بطاعته وأجرها، لكن الفريق الثالث فقط هو من أدرك مناط الدين وغايته, فالهدف منه بعد معرفة الله وعبادته، هو سعادة البشر وتنظيم أمور حياتهم.
معرفة الله تتحقق بداياتها من الفطرة الإنسانية، وتتأكد بالإستدلالات العقلية التي أوردتها في صدر المقال، وتصبح يقينا من التفكر في آياته القرآنية والكونية والتكوينية.
بعد المعرفة اليقينية تكون العبودية لله ارتقاء عقليا إراديا، بعكس العبودية للبشر والتي تكون خضوعا دونيا قسريا، لذلك (عباد) الله أعزّة مكرمون فيما (عبيد) البشر أو المال أو الفرج ذليلين مهانين.
لكن الدين بما فيه من أحكام وتشريعات، أنزله الله ليطبق في حياة الناس وينظم المجتمعات، وليس إيمانا فرديا، ومن يدعو لفصل الدين عن الشؤون العامة، هو كمن يكذب بالدين، سيان، فمن يصدق بشيء يطبقه.
لذلك من يكتفون بمظاهره التعبدية ليسوا من الله في شيء.
فالعبادات دلالة على مدى عمق القناعة ومظهر لتوكيد هذه الحالة، وليست هي الغاية ونهاية المراد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى