
نحو استراتيجية وطنية للتعليم الإلكتروني
أ. د أحمد العجلوني
أكاديمي وخبير اقتصادي
التعليم الإلكتروني واحد من الأوجه العديدة لاستفادة البشرية من التطور في الحوسبة ووسائل الاتصال، وهو ليس بدعاً ولم يظهر هذه الأيام فقط؛ فهناك جامعات افتراضية وتدريس عن بعد سواء للتدريس المنتظم أو للشهادات المهنية والامتحانات المتخصصة في كل العالم، ولدينا في الأردن فرع لجامعة عربية تتبنى هذا النهج منذ مدة طويلة. وبالتالي فإن الجدل حول جدوى هذا النمط من التعليم مطروح للنقاش منذ فترة طويلة.
ولقد أثارت أزمة الكورونا بما نتج عنها من حاجة للحظر وعدم القدرة على تقديم خدمة التعليم بشكله التقليدي من خلال الحضور الشخصي الجدل من جديد حول جدوى التعليم الإلكتروني ومدى نجاحه في الحلول مكان التعليم الصفّي التقليدي، وما بين التأييد والرفض للجوء إلى التعليم الإلكتروني كانت العشرات من وجهات النظر التي شكّلت طيفاً واسعاً جداً من الآراء.
إن التنوع الهائل في مستويات وتخصصات المتعلمين ذو علاقة مباشرة بجدوى التعليم الإلكتروني والقدرة على الاستفادة منه، فنحن نتكلم عن تعليم يبدأ من الابتدائي وحتى الدراسات العليا، ويشمل تخصصات غاية في التنوع. كما أن التعليم لا يقتصر فقط على مؤسسات التعليم العالي والمدارس، فهناك أيضاً التعليم المهني والتدريب والدورات المتخصصة وغيرها. وهذا يتطلب جهداً كبيراً جداً في تحديد كيف وأين وإلى أي مدى سيكون التعليم الإلكتروني مفيداً أو غير مفيد.
ولا شك بأن تنوّع الآراء شيء إيجابي، ويعكس ثراءً في الخبرات للعدد الكبير من أصحاب هذه الآراء، وهذا كله يجب أن يصب لصالح المجتمع من الطلاب والأهالي والمدرّسين وغيرهم مثل الحكومة والمستثمرين في التعليم. ولكن مجرد طرح الآراء دون ترشيدها والاستفادة منها في تطوير استراتيجيات التعليم على المستوى الوطني ومؤسساته التعليمية لن تزيد عن كونها نوع من التسلية الفكرية أو المجادلة الفارغة بهدف الاستعراض وإثبات وجهة النظر لا أكثر، سيما وأن هذا الجدل بات مجالاً خصباً لغير المتخصصين من نجوم الاستعراض الإعلامي الذين ابتلينا بهم في كل قضية عامة.
من نافلة القول إن التعليم بمختلف مستوياته من أهم الأولويات الوطنية، وإن نجاح أي بلد يعتمد على مدى تطوّر التعليم فيه، وهذا التطوّر لا يأتي إلا من خلال رؤية واضحة تنتج عنها رسالة واستراتيجية وطنية جامعة. وهذه الاستراتيجية الوطنية تبنى من قبل المتخصصين في علوم التربية بشكل أساسي ومعهم المتخصصين في المجالات العلمية الأخرى.
وأقترح للقيام بهذا العمل الوطني أن تتكاتف جهود المؤسسات الوطنية المتخصصة مثل وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي ونقابة المعلمين والجامعات وأكاديمية الملكة رانيا وغيرهم بالعمل كفريق واحد من خلال الدعوة إلى مؤتمر تربويّ وطنيّ يخرج بتوصيات محددة تتعلق بتبّني استراتيجية مناسبة فيما يتعلق بالتعليم الإلكتروني. استراتيجية توائم بين مراعاة الاستراتيجية الوطنية للتعليم والاستفادة القصوى من الإمكانيات التي يتيحها التعليم الإلكتروني في تحقيق كفاءة أكبر في التعليم وكفاءة في استغلال الموارد الاقتصادية المخصصة له. وأقترح أيضا أن يسبق هذا المؤتمر ورشات عمل تتناول كافة الجوانب المتعلقة بالتعليم الإلكتروني، تقدّم فيها الأوراق العلمية من المتخصصين وكل صاحب خبرة، ثم يتم عرض ومناقشة خلاصاتها في المؤتمر الوطني التربوي العام.
إن وجود خبراء متميزين في التربية والكوادر التدريسية في مختلف مراحل التدريس يعد واحداً من أهم عوامل قوة التعليم في الأردن. ويعتز الأردن بالكثير من التربويين من أبناءه ممّن أرسوا قواعد التعليم في الأردن وساهموا في بناء الأجيال فيه وفي الدول العربية. وهؤلاء عندهم من العلم والخبرة المتميزة التي تخوّلهم القيام بهذا الواجب الوطني المهم؛ إلى جانب الحرص على المصلحة الوطنية ما يجب الاستفادة منه في بناء الاستراتيجية الوطنية للتعليم الإلكتروني والإشراف على تطبيق مراحلها، مما يضيف رصيداً تراكمياً في بناء الأردن الحبيب يجب أن تتم الاستفادة منه بلا تردد.
حفظ الله الأردن من كل شر؛ وأدام ازدهاره

