خمسة أيام في سجن الجويدة / النزيل محمود الشمايلة

خمسة أيام في سجن الجويدة….

اليوم الأول….
المسافة بين قصر العدل والجويدة أكثر من سبعة طعنات وحلم..

بقلم النزيل: محمود الشمايله

اقتادني الشرطي من مكتب المدعي العام مخفورا، تجاوزنا جميع المراجعين في أروقة قصر العدل حتى وصلنا إلى النظارة ، استلمني شرطي آخر ، طلب مني أن أفرغ جيوبي وازيل حزامي، حتى أنه اخذ علبة سجائري وكذلك قداحتي، أما هاتفي فقد كنت قد سلمته لصديقي وليد المجالي قبل الدخول لمكتب المدعي العام.

مقالات ذات صلة

دخلت النظارة وكأني دخلت عالم المجهول بلا رجعة ، لا أحد يعلم بوجودي هنا سوى المحامي طارق الحياصات، هذا الأمر جعلني اشعر بشيء من الاطمئنان، خاصة أن طارق هو احد الأصدقاء الذين رافقوني إلى قصر العدل مع وليد وحسين الصعوب والفقراني علي الطراونه وابن العم بسام الشمايله والدكتور أيمن ملحم…

انا لست وحيدا إذن..
أغلق باب النظارة جيدا، فيما فتحت أبواب حواسي لاستطلاع امر النظارة ، هي غرفة مظلمة ، على شكل حرف L ، على أطرافها رفعة اسمنتية للجلوس وفي مقدمتها باب خشبي يبدو أنه حمام، أما النوافذ فكانت قريبة من السقف مغطاة بشبك حديدي قاسي،

تصفحت وجوه زملاء الخيبة جميعهم ، كانوا معظمهم من صغار السن، أحدهم كان موقوف لقيامه بدهس شخص آخر تسبب بوفاته.
كان مرتبك ، ومرعوب، قرأت له كل ما أعرف عن الصبر والفرج ، لعلي أخفف عنه قليلا، غير أن كلماتي لا يبدو أنها قد آثرت في ذعرة.
هذا الأمر جعل الموقوف الآخر قال أن اسمه محمد يتدخل ، فقد قال لنا ، الان سيتم تحويلكم إلى سجن الجويدة ثم أضاف( راح ترتاحوا كثير في السجن).

من الواضح أن هذا الشخص خبير ،
يا محمد متى راح يوخذونا للسجن؟
قال : بس يخلص الدوام في قصر العدل.

حسب خبرتي في الجغرافيا وحسب معطيات محمد قدرت أن المسافة بين العبدلي والجويدة لن تتجاوز ثلث الساعة ولكن لماذا عليّ أن أصدق كلام محمد واراهن على الراحة في السجن؟!

ضحك محمد كثيرا عندما قلت اننا سنصل السجن الساعه الرابعة أو الرابعة والنصف على اصعب تقدير.

ضحك محمد بشكل هستيري وراح يضيف ساخرا( أربعة مين والناس نايمين).
تبا لك أيها الملعون ، كيف لك أن تستدرجنا بحديثك ثم تسقطنا في عالم المجهول ونعيش أسوأ كوابيسنا قبل أن نواجهها.

الرابعة عصرا إلا حضور الشرطي، فتح الباب كما لو انه فتح باب الأمل من جديد ، قيدنا الشرطي بقيد الاساور، واقتادنا في طابور إلى مكان سيارة تحمل على ظهرها زنزانة قميئة، حشرنا فيها دفعة واحدة ، ثم أغلق الباب لتزيد ظلمة الأمل فينا مزيدا من البؤس.

ما أن جلست حتى اكتشفت أن القيد لم يكن مغلق بشكل محكم ، هذا الأمر جعلني افسر سبب ابتسامة الشرطي الذي قيدني، أخرجت يدي من القيد بسهولة ، غير اني فقدت الاحساس بالعالم الخارجي الذي كنت أنظر إليه من طاقة صغيرة مظللة لا تسمح حتى بدخول أشعة الشمس.

الجو هنا حارق، نال منا التعرق، وصعوبة التنفس ، لم اكن اعرف فيما إذا كانت السيارة تسير للامام ام الخلف ، الاتجاهات ايضا ضاعت مني ولم اعد اميزها٠

لم استطع ان افسر من اين يأتي سائق السيارة بكل هذا الحقد، الملعون كان يسير بالسيارة بسرعة ثم يتوقف بشكل مفاجىء، تصطدم اجسادنا بالحديد المصفح وتتسبب لنا باصابات شديدة،

توقفت الزنزانة عدة مرات ، والمجهول يحيط بنا من جميع الجهات، ..
وصلنا إلى مركز امني آخر ، وافرغونا في نظارة اخرى،
انتظرنا هنا ساعتين او ثلاثة أو ربما أكثر، لم يكن الوقت مهما ولم أكن لالتفت له وانا اتحسس مواطن الكدمات في جسدي.

جاءت سيارة أخرى لنقلنا من جديد ، من الواضح أن السائق القديم قد اورث حقدة لزميلة ليمارس أحقاده على اجسادنا المتعبة من خلال دواسة البريك من جديد..

الساعة الآن التاسعة الا بوابة سجن الجويدة ….

يتبع …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى