
الزوج الفاشل والعائلة الشريرة . . !
موسى العدوان
لا يكفي أن نتحدث بأمور سياسة واقتصادية وإدارية، بل يجب أن نعرّج أحيانا على أمور اجتماعية، تمس حياتنا ومعيشتنا اليومية “. فبعد معرفتي بأن حالات الطلاق في عام 2019 قد بلغت حوالي 19241 حالة، كتبت مقالا بتاريخ 24 / 11 / 2020 بعنوان : ” الحفاظ على تماسك الأسرة “، تطرقت من خلاله إلى ما جاء في كتاب الله تعالي، من حث على السكن والمودة والتراحم بين الزوجين، من أجل بناء أسرة صالحة، يسودها التفاهم والوئام، إذ قال تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ). صدق الله العظيم.
وبينّتُ أيضا أن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، قد حث في أحاديثه على التزاوج والتكاثر، واحترام حقوق الزوجية مقرونا بطلاقة الوجه ولين الخطاب. وعلى الزوجين في هذه الظروف العسيرة اقتصاديا ووبائيا، تقدير كل طرف لموقف الطرف الآخر. ولا شك بأن للوالدين واجب كبير في الاحترام من قبل الأبناء وزوجاتهم، كما أمرنا ديننا الحنيف. ولكن على الوالدين من جانب آخر، إبداء العطف والمساعدة للأسرة الصغيرة التي انبثقت عن الأصل، دون تدخل سافر في كل صغيرة وكبيرة، من حياة الأسرة الوليدة.
وفي هذا السياق سأروي القصة التالية، التي تصلح لإنتاجها كفلم درامي، يحمل العبرة للمشاهدين والقراء، حدثني بها زميل يمني، خلال عملي في دولة باكستان في أوائل العقد الأول من هذا القرن. ومن خلال هذه القصة نستطيع التعرف على كيفية هدم بيوت الزوجية، من قبل أم شريرة وعائلة لا تعرف مخافة الله :
شاب من الجزيرة العربية يُدعى ( جزّاع بن جحش )، تزوج من فتاة اسمها ( وجد العامرية )، كانت قد اختارتها له والدته نظرا لضعف شخصيته، وعدم قدرته على اختيار شريكة حياته بنفسه. وبعد أن جلس الاثنان سويا وتعرفا على بعضهما مرات عديدة، اتفقا على الزواج وراحا يرسمان خطة حياتهما الزوجية القادمة. وبعد أن تم الزواج وسكنا في منزل منفصل عن منزل والديهما ببضعة أشهر، اكتشفت الزوجة ضعف شخصية زوجها وانقياده الأعمى لتعليمات أمّه، التي بدأت تكشّر عن أنيابها، وتنقلب من حماة وديعة إلى حماة شريرة تجاه من اختارتها شريكة لحياة ابنها.
وهكذا راحت تشحن ابنها عند زيارته لها يوميا، بشتى أساليب الكراهية والحقد ضد زوجته، التي هي موظفة مثله وليست ثرية لتنثر الأموال عليهم كما توقعت. فقاموا بتحريضه على التخلص منها، وإعادة تصديرها إلى المنزل الذي جاءت منه. فيعود الزوج المشحون بكراهية أهله إلى منزله منفوخا كالطبل، ليُفرغ سموم عائلته فوق رأس زوجته، التي لم ترتكب ذنبا يستحق التأنيب أو العقاب.
قام أهل الزوجة ( وجد ) بمحاولات عديدة لإصلاح ذات البين، حفاظا على تماسك العائلة، ولكن دون جدوى، بل ازداد الزوج شراسة وكرها عما قبل. وإمعانا في الإساءة راحت الحماة الشريرة، تحرّض أبناءها وبناتها، وحتى زوجها الخانع للأعيب النساء، ضد تلك الزوجة البريئة، يلفقون ضدها القصص التافهة والمختلقة، ويحتقرونها كلما جاءت لزيارتهم. الأمر الذي جعلها تشعر بأنها محاصرة بمشاعر الكراهية، من جميع أفراد العائلة، فأصبحت تكره زيارتهم وتحجم عن القيام بها.
وبعد أن صبرت ( وجد ) على ظلم العائلة، الذي امتد لما يقارب عاما ونصف، شاء الله أن تحمل جنينا من زوجها ضعيف الشخصية، فطار صوابها. وفي أحد الأيام جلست أمام المرآة تتفقد شحوب وجهها، وتندب حظها على هذا الزواج العاثر، كان زوجها يجلس في الشرفة، يسحب أنفاسه من النرجيلة، تذكرت ( وجد ) قصة زواج عاثر حدث من قبل لِ هند بنت المهلب، فأنشدت بيتي الشعر اللذين قالتهما ( هند ) بعد تعديلهما قائلة :
وما ( وجدُ ) إلاّ مهرةِ عربيــــة * * سليـلـــــةُ أفـــراسٍ تـحـلــلــــها ( جحش )
فــإن جاءت بمهر فلــلــه درّها * * وإن جاءت ( بجحش ) فمـن ذلك (الجحش)
وعندما سمعها زوجها تنشد هذين البيتين، غضب وسألها عن قصدها، فأجابته : إذا اعتقدت أنك المقصود فلك أن تغضب كما تشاء، وها أنا ذاهبة الآن إلى المحكمة الشرعية، لأحقق لك ولعائلتك، أمنيتكم التي دأبتم في السعي إليها، وسأخلع نفسي من بينكم، كما أخلع شجرة مباركة من أرض ملوثة، وأعيد زراعتها في الأرض الطيبة، مؤمنة بقوله تعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ). صدق الله العظيم. وهنا انتهت قصة زميلي اليمني.
وتعقيبا على هذه القصة أقول : لقد حدث هذا الظلم لزوجة بريئة في دولة عربية إسلامية، ذنبها أنها لم تكن ثرية تستثمرها تلك العائلة كما تستثمر غيرها، خلافا لما جاء في تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. وأنصح الشباب الأردني وأهاليهم، أن يأخذوا عبرة ودرسا دينيا وإنسانيا من هذه القصة المؤسفة، وأن لا يكونوا سببا في هدم بيوت أمر الله تعالى، أن تُبنى على المحبة والوئام، تجنبا لدعوة المظلوم، التي ليس بينها وبين الله حجاب . . !
التاريخ : 29 / 12 / 2020
