[review]
أجرى الحوار الشاعر والروائي المصري محمد محمد السنباطي
………………
عن دار المتنبي للنشر والتوزيع صدرت بدعم من وزارة الثقافة الأردنية المجموعة الشعرية (برد وكستناء… ويا رب مطر) للشاعرة الرقيقة لانا راتب المجالي، في طبعة أنيقة، وحيث أعد لوحة الغلاف الفنان التشكيلي شادي غوانمة، وقدم للمجموعة الشاعر الأردني الجميل نايف النوايسة، مقدمة جذابة حيث طوّف بأجنحة من عذوبة وتدقيق في سماء المجموعة وأجوائها العطرة تطوافا شاعريّا مبهجًا وإن كان الشاعر بشار بن برد قد اشتكى منه (رغم تيقنه أن ذلك حدث سهوًا وغير مقصود) لأنه كسر وزن بيته الشهير عندما استبدل بالكلمة الرقيقة quot;وأحسوquot; الكلمة الأخرى الغليظة quot;وأشربquot;.
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء باردُ
وبهذه المناسبة نتوجه للشاعرة بالتهنئة على صدور المجموعة، ومعها نجوب آفاقها بدءًا من العنوان الذي يبدو وكأنه يقول لنا إن البرد موجود متأصل في عظامنا حتى النخاع، والكستناء التي هي سلاحنا للتغلب على البرد موجودة، لكنا نبتهل إلى الله ليرسل إلينا بالغيوم المدرارة. هذا ما يقوله العنوان فما الذي تقوله الشاعرة؟ وهل المطر هنا هو الإلهام؟ أهو هو سر الإخصاب؟ أم هو ماذا؟
– المطر إيحاءٌ موجَز لرغبةٍ مائيّة!، الماء ( طُهريَوَغِوايتَكْ)، وهو ما ظهر جليّاً في معظم نصوص المجموعةِ الشعريّة; فأنا quot; الأميرة quot; تيسليت نونزارquot; في الميثيولوجيا الامازيغية التي تمثّل فيها قوس قزح (فَأنا ،مُذ مَسَّت رُوُحُهُ لَوْحَةَ جَسَدي ذَاتَ مَساءٍ، أنجَبتُوَحدِي مِِنْ بَينِ نِساءِ العَالَمِ –قَاطِبةً – قَبيلةَ ألوانٍ طَيفِيّةٍ أسْمَتهَا البَشَريّةُ قَوْسَ قُزَحْ!) ، وأنا الأرض التي تنتظر الخصب في ( فأنا الأرضُ حُبلى بالحُبِّ وَبالحياةِ)، حتّى لو صيّرتُني عروساً للنيل! . وأنا ndash; أيضاً ndash; ( مِن دونك، وطنٌ في وَطني ، يَنْزِفُوَجهَكَ. يَستَجدي لََوْقَطرةَ مَاءْ ). وهو الالهام عندما ( أتلهفُ أن ينهمرَ الشعرُ مِن غمّازةِ خدِّكَ )، والسكينة عندما تكون (الدمعة قطرة ماء)، والتحدّي عندما (أنغمس كسمكةٍ تُقاومُ الأمواجَ مِنْ كُل شَاطئٍ مَوْجَةٌ).
قصدتُ القول أنَّ هذا العنوان يشكِّلُ ثيمة النصوص داخل المجموعة، وهو يعبِّر بشكلٍ أو بآخر عن حالة الظمأ التي أعاني منها على المستوى الفردي أو ما نعاني منهُ كأمّة quot; داجِنةquot;!.
*ثم يطالعنا الإهداء الصادم: إلى عماد، الذي لا تخبرنا من هو تحديدًا لكنه بلا شك حبيب إلى القلب والروح والجسد quot;خسرتك كلك وخسرتَ الدنيا فقطquot;. فهو الذي فارق بوجوده المادي، سافر إلى عالم غير عالمنا لن يخسر فيه الآخرة. هل من حقنا أن نستعلم من شاعرتنا عنه؟ وهل هو المقصود في قصيدة: quot;فستان أسودquot; : quot;ها قد أيقنت أخيرًا أنك مت. أشهد أنك لن تأتيquot;؟ هل هو ترانيم الشجن التي تحتضن المجموعة الشعرية من الماء إلى الماء، ومن المساء حتى المساء؟
حدثينا قليلا عنه يا سيدتي لكي نحبه معك ويحيا في قلوبنا
–ببساطة، لقد اخترتُ أن أعبِّر عَن مشاعري ورؤيتي للوجود من خلال quot;عِمادquot;; الرجل في حجمِ الدنيّا أو يزيد قليلاً!quot;، وهو تميمة الحزن الأكثر فرحاً أدسّها في كلماتي. عندما أكتبهُ أصير مُرهَفة مثل جرح وغزيرة مثل غيمة. لقد خرجتُ للغّةِ من بابِ الحنين والموت وأغلقتُ عليهِ هناك كعنوانٍ رئيس يفسِّرُ علاقتي مع الرجل عموماً ومع الكتابةِ خصوصاً. فيما بعد بدأت في اختراعهِ كما أشارَ علي فلوبير عندما قال:( كلّ ما يخترعه الانسان يصير حقيقة، تستطيع أن تكون واثقاً من ذلك، ودونما أدنى شك، فإن مسكينتي quot; مدام بوفاريquot; تتألم الآن وتبكي في عشرين قرية فرنسيّة، في هذهِ اللحظةِ بالذات.) ، لذا فإنّي واثقة ، ودونما أدنى شك أنَّ عماد أل ..حَقيقة لن يأتي في quot; فستاني الأسودquot; ، ولن يشاركني أكل الكستناء بطعمِ المطر ذات مساء.
*ندلف بعد هذه اللوعة إلى القصيدة الأولى الموسومة: quot;الكلمة أنثىquot;
quot;في البدء كانت الكلمة، والكلمة أنثى، تفك جدائلها على استحياء في حضرة ليلquot;
كثيرون هم الشعراء الذين اقتبسوا من إنجيل يوحنا quot;في البدء كان الكلمةquot; ولأنك شاعرة فإن شاعرة أخرى تحضرني وهي صاحبة quot;في البدء كانت الأنثىquot; الدكتورة سعاد الصباح. والمقصود بالكلمة في إنجيل يوحنا السيد المسيح، ولهذا يقولون: quot;كانquot; الكلمة. المهم ماذا أضافت شاعرتنا لهذا الاقتباس؟
–أمّا المقصود بالكلمة في القرآن الكريم quot; كُنquot; مِن الكينونة; (الكلمة لفظ مفرد وجمعها كلمات، والمراد أن الكلمة خلق بها عيسى فأطلق على عيسى كلمة الله؛ لأنه خلق ووجد بها، وهي كلمة (كن)؛ ولهذا قال عن يحيى: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي مصدقا بعيسى الذي خلق بكلمة من الله، فالمعنى هاهنا: يبشرك بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: كن، فيكون، كما قال تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ أي خلق بالكلمة التي أرسل بها جبريل -عليه السلام- إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه -عز وجل- ، ولهذا قيل لعيسى كلمة الله؛ لأنه ناشئ عن الكلمة التي هي (كن) كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فليس عيسى هو نفس الكلمة إنما خلق وصار بالكلمة، وليس الكلمة مخلوقة وإنما خلق عيسى بالكلمة، فالكلمة من الله يخلق بها المخلوقات كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.)
إذاً، (في البدء كانت الكلمة ) ndash; ضمن هذا المعنى- ليست اقتباساً بل من المسلّمات التي حفرت عميقاً في وعينا ، لكن وإن كنتُ استخدمتها هُنا ككينونة للخلق فإنّي خرجتُ منها بعد هذا المُبتدأ إلى كينونة الكتابة ، وهي رؤيتي الخاصة لصياغةِ النص وسمات الكلمة الخالدة في الوجدان الإنساني، وهي هُنا ndash; بالمناسبة- خارج تأويلات التذكير والتأنيث كما فسّرها بعض القرّاء; أي لا أتحدث عن المرأة بل أتحدث عن الكلمة التي يكتبها الرجل والمرأة ودون أن أشير للمفارقة بأنّ الكلمة خُلِقَت مِن ضلعِ الحرف!.
*ننتقل إلى quot;اعترافات داجنةquot;
لنتساءلquot; هل لكون الحزن يطاردنا ويعلن احتلاله لنا، لا نكون أبناء الحياة؟
– عندما يعلن الحزن احتلاله لنا، لا نكونُ أبناء الحياة، بل أبناء الحياة الأخرى!، وتكونُ الحياة زوجة أب قاسية.
لكن، – وهي وجهة نظر شخصيّة- لولا هذهِ الحياةِ الأخرى التي أحسنت تربيتي أو أساءت!، ما كنتُ أنا ال.. أُحبًّها وأحترمها. عندما يصهلُ الحزن في دمي ، تتكاثرُ كُريات الفرح البيضاء لتهبني عافية المقاومة فأمضي حاملة مشعل الوعي الكوني ndash; حتَى لو لم أصل!-.
*وهذه قصيدة quot;يوم تنادي الصحراء شاعرهاquot;
وأتمهل لأهنئ الشاعرة على حسن اختيارها للعناوين، وعلى تعبيرات مثل: quot;من دس الملح في جرح المعطف إذ ينزف من عامين؟quot; quot;من ضرب جبين الوقت فوق عقاربه من أسقطه صريعا يتخبط فوق شواطئ وحدته على وجعين؟quot; حتى نصل إلى: quot;بكيت وقلت: ليتني كنت أعلم فأنا القصيدة أنا القصيدةquot;
لنسأل الشاعرة : من قال يا سيدتي أن القصيدة لا تعلم؟
– قُلتُها. وأنا القصيدة ; وأنا قصيدة.
وكما تُلاحظ ، قمتُ بتنكير القصيدة; لأقول أنَّ قصيدتي ndash; تحديداً ndash; لا تَعلَم، لأنّها كائن حيّ يمضي في دهشتهِ الأزلية باحثاً عن الحقيقة، وهو في بحثهِ هذا يستشرفُ. يتنبّأ ، يستعيد. يبتكر. يهدم . يعشق. يعشق أيضاً. يُنجِب. يقتل. يفرح. يحزن. ينجح. يفشَل. يرشِّح رؤاه للانتخابات الذائقيّة. يمرض. يموت.
القصيدة كائن حيّ، مثلي، تبتكُر في كلِّ صورةٍ حقيقة ، تؤمنُ بها وتشكِّلُها صنماً من تمر، تعبده ثمَّ تأكلهُ كفراً بعد حين.
*أما في quot;الضوءquot; حيث يضج القدر ويسقط الفنجان بعد أن يحتسي ndash; أجل هو الذي يحتسي- إلى أن تخلع الحقيقة ثيابها، وإلى أن يرتدي التاريخ عمامته…quot;
ما المقصود بالعمامة هنا؟ وإللام تشير؟
– (وارتَديتُ أنْا التارِيخَ عمَامَةً!) . والعمامة لباس الرأس.( وعُمِّمَ الرجلُ: سُوِّدَ لأَن تيجان العرب العَمائم، فكلما قيل في العجم تُوِّجَ من التاج قيل في العرب عُمِّمَ). ويبدو أنّني هُنا عُمِّمتُ بِ التاريخ، أو اعتنقتُ التاريخ وتركتُ دلالته تسوِّدني ndash; زوراً وبُهتاناً -على غيري. وهي سيادة مزوّرة لأنَّ تاريخنا العربي مزوّر، واعتناقه وإشهاره كما فعلتُ ( عندما ارتديته عمامة) كان نتيجة احباط ويأس وضعف مقدرة على إدراك الحاضر الذي (أعيش/ نعيش). التشبّث بتاريخٍ مزوّر والتغنّي به و-بنا -عوضاً عن كتابةِ تاريخٍ حقيقي جديد يليقُ بأمتّنا العريقة وبمكوناتها الايجابيّة، والوقوف على الأطلال دون خطوة عمل واحدة نحو المستقبل انطفاء للضوء وانحدار نحو العتمة.
*وهذه هي quot;اللوحات الآذاريةquot;، الثرية بالمعاني والصور: فلا حطب في مدفأة الكلمات الليلة، ولا زيتونة طهر شرقية تتوهج في قنديل الدهشةquot;
والشاعرة قابعة في الانتظار على ضفاف مقلتي شاعرها إلى أن تحتضر ذبالة الشوق، بينما تطل بوجهها الجميل أغنية مارسيل خليفة quot;عصفور طل من الشباكquot;
السؤال هنا مختلف بعض الشيء: إلى أين يأخذك عود مارسيل خليفة وكلمات محمود درويش التي يتغنى بها؟
_ إلى قلم الرصاص الأوّل، ووجه معلّمتي (منى) في الصف الأوّل الابتدائي; هذهِ المعلمة أرضعتني غذاء مارسيل خليفة الروحي نغمة نغمة، ووضعتني خطوة أولى على دربِ الحلم والمقاومة، وأظنني قلتُ (يوريكا) عندما قرأت ما توصّل إليه فرانز هيلينز في اكتشافهِ العبقري: quot; إن طفولة الانسان تطرح مشكلة حياته كلّها، وعلى العمر الراشد أن يجد حلّها. لقد مشيتُ ثلاثين عاماً حاملاً هذا اللغز، دون أن أوليه فكرة واحدة، وأعرف اليوم أن الطفولة قالت في السابق كل ما يجب أن يُقال ووضعتني على الطريقquot;.
عموماً، قد يذهلك أنني لم أقرأ الشعر إلا منذ سنوات قليلة فقط، بعد أن كتبتهُ، أو- تحديداً -عندما قالوا لي إنّني كتبتهُ!; لذا ndash; يبدو- أنَّ العود وصوت مارسيل كان لهما السبق في ذائقتي حتّى ذاك الوقت القريب.
*سيدتي التي يحتل جنونك مساحات العالم، لماذا لم توجهي بعض القصائد تجاه ما يحدث حولك من جنون القتل في سوريا مثلا؟!
_ (جنوني الشخصيّ الذي احتلّ العالم) ، لم يؤثِّر يوماً على حكمةِ كلماتي المعقلنة بفعل عمليةِ إنضاجٍ زمني أجبرها عَليه، لأنَّ الكلمة ndash; في عُرفي- لا بُدَّ أن تخضع لعواملِ التعرية المشاعريّة في ذاكرتي، حتى تولد سليمة من أمراضِ الانفعال وقصر النظر وقلّة الوزن.
َعموماً، لم أكُن يوماً غائبة أو مُغيّبة عن المشهدِ الانساني الذي نعيش. لكنني لا أوجّه ُ قصائدي ولا أتحكّم بجنس مولودي الابداعي، قصيدةً أو نصّاً أو قصّة. أحاول الإجابة وذاكرتي تجوبُ النصوص المصبوغة بالأحمر التي كتبتها خلال عامٍ من القتلِ مضى !; الشعرُ ndash; عندي- يحتاج ndash; بالضرورة- إلى هدوءٍ ضمائريّ لا أتحصّل عليه بينما الشهداء يحملون مكبّرات الصوت لينشدوا دمهم الحماسيّ في قلبي.
*أعتقد يا سيدتي الشاعرة أن الحوار معك أكثر من رائع. تعرفين كيف تختارينالكلمات. وتنحتين الصخر حتى يتحول بقدرة قادر إلى أضاميم زهور جميلة.
عصية أنتِ على التبدد. عصي شعرك على التفكك والترهل. تنجذبين إلى بواكيرالمعاني تقتنصينها من الآفاق ومن الأعماق على السواء. شكرا على اللقاءالحواري الذي أراه ممتعا لي بحق. وفي انتظار أعمال جديدة أتركك مع مطركالدافئ وبردك الجمري والكستناء التي تنضج على جمرات الأشعار.
محمد
